|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

هاشم معتوق
2026 / 7 / 21
يونس العزاوي حين يصبح الجسد لغةً للروح
في زمنٍ يتكاثر فيه الرسم الاستعراضي، ويغدو التشريح أحيانًا مجرد استعراض للمهارة، تبدو تجربة يونس العزاوي مختلفة في جوهرها. فهي لا تنطلق من الجسد بوصفه موضوعًا للإغراء البصري، ولا من اللون بوصفه زينة، وإنما من سؤال أعمق كيف يمكن للمادة أن تصبح روحًا؟ وكيف يمكن للخط واللون أن يبلغا تلك اللحظة التي يتجاوز فيها العمل الفني ذاته ليغدو كائنًا حيًا؟
من يتأمل أعماله يدرك سريعًا أن التشريح ليس هدفًا نهائيًا لديه، بل هو لغة. فهو يمتلك معرفة واضحة ببنية الجسد الإنساني بعلاقاته، وتوازناته، وانثناءاته، وثقل الكتلة وخفة الحركة. لكنه لا يقع في أسر الأكاديمية. يعرف متى يلتزم بالنسبة، ومتى يكسرها دون أن يخل بالصدق التشكيلي. فالذراع قد تستطيل قليلًا، والكتف قد يلين، والخط قد يتجاوز الدقة العلمية، لكن ذلك يحدث دائمًا في خدمة الإيقاع الداخلي للصورة، لا بدافع الخطأ أو العفوية.
أما اللون، فهو أحد أكثر عناصر تجربته خصوصية. إنه لا يستخدمه كغطاء، بل كحالة نفسية. ألوانه الترابية، والرماديات الشفافة، والقرمزي الخافت، والبنفسجي الذي يلامس الظلال، جميعها تمنح الجسد إحساسًا بأنه خارج الزمن. لا نرى لحمًا مصبوغًا، بل نرى أثر الزمن على الجسد، ونرى الضوء وهو يتحول إلى مادة محسوسة.
في كثير من اللوحات يترك الفنان مساحات واسعة غير مكتملة، وكأن البياض جزء من البناء لا فراغًا فيه. وهذا الوعي بالاقتصاد في اللون والخط يمنح اللوحة تنفسًا نادرًا، ويجعل عين المشاهد تكمل ما لم يقله الفنان صراحة. هنا تكمن الثقة بالنظر، والثقة بالمخيلة.
لكن النقطة الأكثر حساسية، وربما الأكثر أهمية في تجربة يونس العزاوي، لا تتعلق بالتشريح ولا بالألوان، وإنما بما يمكن تسميته الارتقاء بالفعل الفني إلى مستوى الخلق، لا بمعناه الميتافيزيقي، بل بمعناه الجمالي.
فالخلق في الطبيعة ليس جمعًا للعناصر، وإنما ولادة لكائن يحمل قوانينه الخاصة. وكذلك العمل الفني العظيم. إنه لا ينسخ الطبيعة، بل يعيد خلقها وفق نظام جديد. وهذه هي المنطقة التي يقترب منها يونس العزاوي في أفضل أعماله.
الجسد عنده، رغم عريه، يفقد أي ميوعة أو ابتذال. لا لأن العري مخفي، بل لأن النظرة إليه تتغير. فاللوحة لا تستدعي الغريزة، وإنما تستدعي التأمل. يتحول الجسد من موضوع للنظر إلى فضاء للوجود. وكأن اللحم يذوب في الضوء، واللون يذوب في التراب، والتراب يذوب في الزمن.
يشبه الأمر ما يحدث في الرقص الكلاسيكي الرفيع، كالباليه، حيث لا يعود الجسد مجرد عضلات وعظام، بل يصبح موسيقى مرئية. كذلك في هذه اللوحات؛ تتلاشى مادية الجسد لصالح إيقاع داخلي يجعل الحركة، حتى وهي ساكنة، مشبعة بالحياة.
إنها لحظة يذوب فيها كل ما هو عرضي، ويبقى الجوهر وحده.
ولهذا فإن بعض هذه الأعمال تمنح المتلقي إحساسًا يشبه احتساء كأس معتقة من الزمن نفسه لا لأنها تبهره، بل لأنها تُبطئ الزمن داخله. وحين يطول التأمل، يشعر الإنسان أنه لا ينظر إلى جسد مرسوم، بل إلى هشاشته هو، وإلى قوته أيضًا. إلى فناء المادة وبقاء الأثر.
وهنا يلامس الفن إحدى وظائفه الكبرى أن يوقظ في الإنسان قدسيته الدفينة، لا بالوعظ، ولا بالرموز الدينية، وإنما بإعادة اكتشاف الجمال بوصفه طريقًا إلى الحقيقة. ذلك الجمال الذي يرفع الإنسان قليلًا فوق صخبه اليومي، ويذكره بأنه كائن قادر على التأمل، وعلى الرقة، وعلى السمو.
لا يعني هذا أن كل أعمال يونس العزاوي تبلغ هذه الذروة فالتجربة الفنية، شأنها شأن أي تجربة حية، تتفاوت من عمل إلى آخر. غير أن ما يميزها هو وجود مشروع بصري واضح، ورغبة صادقة في البحث، لا في التكرار. وهو ما يجعل أعماله أكثر من مجرد تمارين على رسم الجسد، بل محاولات مستمرة لاكتشاف العلاقة بين الإنسان وجسده، وبين المادة والروح.
يصعب، في الإنصاف النقدي، وضع أي فنان في مرتبة قاطعة بين أقرانه، لأن المشهد التشكيلي العربي غني بتجارب متباينة يصعب قياسها بمقياس واحد. لكن يمكن القول إن يونس العزاوي ينتمي إلى ذلك النوع من الفنانين الذين يبنون لغتهم الخاصة بصبر، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي وعن الإبهار السريع. وما يمنحه مكانة محترمة ليس كثرة الإنتاج ولا الادعاء بالتجديد، بل قدرته على الحفاظ على هوية بصرية متماسكة، وعلى إخلاصه لفكرة الرسم بوصفه فعل معرفة، قبل أن يكون فعل مهارة.
إن قيمة تجربته لا تكمن في أنها ترسم الجسد بإتقان، بل في أنها تجعل الجسد وسيلةً لا غاية وتجعل اللون زمنًا، والخط نفسًا، والفراغ حضورًا. وعندما يبلغ العمل هذه المرحلة، فإنه لا يعود مجرد صورة جميلة، بل يصبح تجربة وجودية، يشعر الإنسان أمامها أن الفن، في أصفى لحظاته، لا يقلد الطبيعة، بل يحاورها، ويشاركها سرّ الخلق الجمالي الذي يجعل من التراب روحًا، ومن الصمت موسيقى، ومن الإنسان كائنًا يقترب، ولو للحظة، من أسمى ما فيه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |