جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلسفته وتجربته المسرحية

هاشم معتوق
2026 / 7 / 17

جيرزي غروتوفسكي Jerzy Grotowski إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح

قلّما يعرف تاريخ الفنون شخصيةً استطاعت أن تغيّر مفهوم فنٍّ بأكمله، وأن تعيد تعريف حدوده ووظيفته وأسئلته الأساسية كما فعل جيرزي غروتوفسكي (Jerzy Grotowski، 1933–1999). فليس من المبالغة القول إن المسرح العالمي يمكن تقسيمه، من حيث تطور الفكر المسرحي، إلى ما قبل غروتوفسكي وما بعده، لا لأن الرجل اخترع شكلًا جديدًا من الإخراج، أو قدّم عروضًا أكثر إبهارًا من معاصريه، بل لأنه أعاد طرح السؤال الذي كاد يختفي تحت ركام التقنيات الحديثة ما الذي يجعل المسرح مسرحًا؟ وإذا جُرّد من كل أدواته الخارجية، فما الذي يبقى منه؟ وهل تكمن حقيقة المسرح في النص، أم في المنظر، أم في الممثل، أم في اللقاء الإنساني الذي يتجدد في كل عرض؟
هذه الأسئلة ليست تقنية ولا جمالية فحسب، وإنما هي أسئلة فلسفية وأنثروبولوجية تمس جوهر الوجود الإنساني. ولذلك لم يكن غروتوفسكي مخرجًا مسرحيًا بالمعنى المهني الضيق، بل كان مفكرًا وفيلسوفًا للفعل المسرحي، اتخذ من الخشبة مختبرًا لاختبار الإنسان، ومن الممثل أداةً للكشف عن الطاقات الكامنة في الجسد والوعي والذاكرة. لقد كان يؤمن بأن المسرح، إذا أراد أن يحافظ على خصوصيته في عصر السينما والتلفزيون والوسائط الرقمية، فلا يجوز له أن ينافس هذه الوسائط في تقنياتها، بل عليه أن يعود إلى ما لا تستطيع أي وسيلة أخرى امتلاكه: الحضور الحي، والمواجهة المباشرة، والصدق الإنساني الذي لا يمكن تسجيله أو إعادة إنتاجه.
إن أهمية غروتوفسكي لا تُقاس بعدد العروض التي أخرجها، وهي قليلة نسبيًا، ولا بعدد الكتب التي ألّفها، بل بحجم التحول الذي أحدثه في التفكير بالمسرح. فقد أصبح اسمه مرادفًا لواحد من أكثر المفاهيم تأثيرًا في الدراسات المسرحية الحديثة، وهو «المسرح الفقير» (Poor Theatre)، غير أن هذا المصطلح، على شهرته الواسعة، لم يكن سوى بوابة أولى إلى مشروع فكري أكثر اتساعًا وتعقيدًا. فقد اختُزل الرجل، في كثير من الدراسات، في عبارة واحدة، حتى بدا وكأنه صاحب تقنية تدريب أو منهج إخراج، بينما تكشف قراءة أعماله ومحاضراته ورسائله عن مفكر كان ينظر إلى المسرح بوصفه ممارسة معرفية وأخلاقية، هدفها تحرير الإنسان من أقنعته، وإعادته إلى ذاته الأولى، حيث يلتقي الجسد بالروح، والفعل بالمعنى، والفن بالحقيقة
ولد جيرزي غروتوفسكي في الحادي عشر من آب/أغسطس سنة 1933 في مدينة رزيسزوف (Rzeszów) البولندية، في لحظة تاريخية كانت أوروبا فيها تتجه بسرعة نحو واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية فداحة. وما إن بلغ السادسة من عمره حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، واجتاحت القوات النازية بولندا، لتدخل البلاد في سنوات من الاحتلال والقمع والدمار. لم تكن هذه الأحداث مجرد خلفية تاريخية لسيرته، بل كانت التجربة المؤسسة لوعيه. فالطفل الذي رأى وطنه ممزقًا، وشهد انهيار القيم الإنسانية أمام آلة الحرب، لن ينظر إلى الفن بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل سيبحث فيه عن معنى يعيد للإنسان كرامته الداخلية.
ومن هنا يمكن فهم سبب ابتعاد غروتوفسكي، منذ بداياته، عن كل أشكال المسرح الاستعراضي. لقد أدرك أن العالم الذي خرج من الحرب لم يكن بحاجة إلى مزيد من الزخارف، بل إلى مواجهة نفسه. ولذلك لم يبحث عن مسرح أكثر فخامة، وإنما عن مسرح أكثر صدقًا؛ ولم يسع إلى زيادة الوسائل، بل إلى اختزالها؛ ولم يكن هدفه إبهار الجمهور، بل استنهاضه وجوديًا. إن هذه النزعة ليست مجرد خيار جمالي، وإنما هي استجابة فكرية وأخلاقية لعصر فقد فيه الإنسان ثقته بالمظاهر، وصار يبحث عن الجوهر.
نشأ غروتوفسكي في بيئة كانت المعرفة فيها تُعد وسيلة للتحرر، فتكوّن لديه منذ شبابه شغف استثنائي بالفلسفة والأدب والتاريخ المقارن للأديان. وعندما التحق بالمدرسة العليا للمسرح في كراكوف (Kraków)، لم يكن ينظر إلى المسرح بوصفه حرفة، بل بوصفه مجالًا للبحث. ثم واصل دراسته في معهد الدولة للفنون المسرحية في موسكو، حيث اطّلع على إرث قسطنطين ستانسلافسكي (Konstantin Stanislavski)، ودرس أعمال فسيفولود مايرهولد (Vsevolod Meyerhold) ويفغيني فاختانغوف (Yevgeny Vakhtangov)، لكنه خرج من تلك التجربة بقناعة أساسية أن كل نظرية عظيمة لا تُحفظ، بل تُختبر، وأن الإبداع الحقيقي يبدأ حين يتجاوز الفنان أساتذته من دون أن ينكر فضلهم.
ولذلك لم يكن غروتوفسكي خصمًا لستانسلافسكي، كما يظن بعض الدارسين، بل كان وريثًا ناقدًا له. فقد أخذ عنه الإيمان بأن الحقيقة الفنية تنبع من داخل الممثل، لكنه رفض أن تُختزل هذه الحقيقة في التحليل النفسي أو في استدعاء الانفعالات وحدها. رأى أن الجسد يحمل ذاكرة لا تقل عمقًا عن الذاكرة النفسية، وأن التنفس والإيقاع والصوت والعضلات ليست أدوات لتنفيذ الأداء، بل هي لغة قائمة بذاتها. ومن هنا بدأ مشروعه في تحرير الممثل من الاعتماد على الحيل التعبيرية، ليتحول الجسد نفسه إلى مصدر للمعنى.
وفي الوقت ذاته، لم يقف عند حدود التراث الأوروبي. فقد اتجه إلى دراسة الطقوس الشرقية، وفنون الأداء الآسيوية، ومسرح الكاثاكالي الهندي، واليوغا، وبعض الممارسات الشعائرية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لا رغبةً في تقليدها، بل بحثًا عن الجذر المشترك الذي يربط جميع الثقافات الفعل الطقسي الذي يسبق المسرح ويمنحه طاقته الأولى. لقد كان مقتنعًا بأن المسرح، في أصوله العميقة، لم يكن ترفيهًا ولا أدبًا، بل ممارسة جماعية يعيش فيها الإنسان تجربة التحول، ولذلك فإن إعادة اكتشاف هذا البعد الطقسي ليست عودة إلى الماضي، بل استعادة لجوهر الفن.
وهكذا بدأت تتشكل الفكرة التي ستصبح حجر الأساس في مشروعه كله: إن المسرح لا يحتاج إلى كل ما تراكم حوله عبر القرون من زينة وتقنيات، وإنما يحتاج إلى ممثل يمتلك الشجاعة ليكشف نفسه، ومتفرج يمتلك الاستعداد لأن يشهد هذا الكشف. وكل ما عدا ذلك يمكن أن يكون مفيدًا، لكنه ليس ضروريًا. ومن هذه الفكرة البسيطة في ظاهرها، والعميقة في جوهرها، انطلقت الثورة التي ستعرف باسم المسرح الفقير، وهي ثورة لم تكن ضد الديكور أو الإضاءة أو الموسيقى، بل ضد وهم الاعتقاد بأن قيمة المسرح تكمن في الأشياء التي تحيط به، لا في الإنسان الذي يقف في قلبه.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن