|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
مارينا سوريال
2026 / 7 / 16
كان الصوت ينادي.
خرج قارب آخر من وسط العتمة،
تحرك بهدوء،
كان يراه مثل الشبح.
راقب مياه النهر التي عادت للجريان.
لا يزال هناك مزيد من الوقت أمامه.
حاول أن يتذكر…
لكن الذكريات كانت مثل وميض.
اليوم سوف يتم وزن القلب،
وسوف يُكشف أمره.
قلبه الذي لم يعرف اللين.
عُرف عنه في الماضي أنه سريع الغضب،
دون مغفرة.
كان قويًا، لا يخشى شيئًا.
كان الكل يغضبه…
فيما عدا تلك الصغيرة.
عرف عنه أنه جبار البائس.
رغم أنه وُلد فقيراً، لم يكن يخشى شيئاً.
منذ نعومة أظافره تعلّم الخدش،
الخدش حتى الجنون،
حتى سالت الدماء.
رآها وأحب قطراتها.
أدمن الدماء…
أدمن أن يراها في عيون الآخرين الخائفة
قبل أن يصدر الحكم الذي لا يراجعه أحد.
عرف معنى أن يقرر المصير،
أن يضع الروح بين يديه،
كما يتعرّف الروح على الجسد الذي سيسكنه.
الدماء صارت فلسفة، صارت حكمة.
رفض أن يتركها، ورآها فعلاً طبيعياً،
بل كل شيء… وما عداها فراغ.
لم تعد الشمس تغنيه مثل البقية.
لم يرفع عينيه نحو القمر، ولا حتى نحو الظلام.
جسده فتيّ، لكنه لم يشعر أنه الأقوى فحسب…
بل الأسوأ.
وهذا بالضبط ما كان ينبغي أن يكون.
أحبَّ الليل، والليل أحبَّه.
لم يقدِّر شيئًا فيه،
كان يسير في طريق دمائه فقط
ليبحث عن الأقوى.
في ظلِّ الطريق رأى الكثيرين يرحلون،
ولم يشعر قط بالذنب
لقد كان يعرف…
أن ذلك بالتحديد ما خُلق لأجله.
لم يعطوه سببًا آخر.
صوت بكاء الصغيرة هو فقط ما كان يوقفه.
كانت مثله، دون أحد. رحل من رحل، وبقيت هي في سن الطفولة.
لم تذهب قط إلى سن الشباب، ظلت كما هي، تبحث عن قارب ومياه.
كان يحب أن يجلبه لها.
كانت تغضب كلما رأت آثار الدماء.
لكن عليها أن تعتاد، فهذا هو ما عليه.
في قاعة الحكم،
سمعه يصرخ من بعيد.
صرخات متداخلة… وتعجب.
كانت الصغيرة هناك.
للمرة الأولى، شعر بالخوف.
إفطار هادئ…
كان يومًا خريفيًا قرر فيه أن يختار، فاختار.
قرر في ذلك اليوم أن يصبح صديقًا للظلام،
فقد كان في كل الأحوال رفيق دربٍ مخلص.
جلس يراقب الصغيرة، وهي تتناول إفطارها على عجل.
لم يعرف في هذا العالم صديقًا سواها.
كانت دائمة المرح والضحك.
صوت الميزان…
المطرقة…
الصمت.
عاد الظلام ليعم كل شيء من جديد.
هناك المزيد قادمون.
لا يزال قاربه ثابتًا لا يتحرك.
المياه تجري، تحيط بكل شيء… ثم توقفت.
أوقفت قاربه الصغير.
صوت الأم يرتفع، تنهره.
دقات عقارب الساعة بطيئة.
لم يكن يحب الزحام،
يدفعه حتى يتحرك وسط الضوء.
كانت تتعجب منه،
فهو لا يشبه الجميع.
صوت نفير البوق ارتفع.
أصوات صراخ، عويل، بكاء، قسوة، دماء.
القارب يهتز، يجزع، والظلام يحيط به من كل جانب.
يحاول أن يتمسك، لكن النهر يتحول إلى حمض.
يشهق، يبحث عن الآخرين… فلا يجد.
يحاول الصراخ… فلا يستطيع.
صوت خفقان قلبه يحطم أذنيه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |