لكل قبره - مسرحية بالألمانية ترقص وتغني بالعربية للكاتب الألماني المغربي محمد نبيل

عزيز باكوش
2026 / 7 / 15

لكل قبره - نص مسرحي مدته 90 دقيقة كتبه بالألمانية محمد نبيل الصحفي والإعلامي والمخرج السينمائي المغربي ذ الفلسفة سابقا والمقيم بألمانيا حاليا يحكي عن الحياة والاغتراب أو الموت في ديار الغربة. وتشكل هذه التجربة امتدادا فنيا لمشروعه الثقافي والإبداعي بأبعاده الثلاث الصحافة السينما و المسرح . المسرحية تلامس بسردية شاعرية وهي تعانق الفلسفة وتستنفر أسئلة الموت والاغتراب والذاكرة من خلال أربع شخصيات بمآلات متباينة في حيز وجودي يسيطر عليه السؤال أكثر من تقديم أجوبة في مربع إنساني ملهم وبديع .


تدور أحداث المسرحية التي تقدمها فرقة - فلاشن غايست - حول شقيقتين أحلام القادمة من باريس وفاطمة الآتية من لندن ، وهما شقيقتان ألمانيتان من أصول عربية مهاجرة، تلتقيان في مستودع الأموات ببرلين ألمانيا لهدف واحد هو مناقشة طريقة دفن والدهما وسط صراع قيمي أخلاقي . فبينما تصر أحلام على دفنه في ألمانيا، ترى فاطمة دفنه في بلده الأصلي وطن الأصول والأجداد. وبينهما يبرز حفار القبور أو المسؤول في شركة دفن الأموات الألمانية. تتناول المسرحية هذا الصراع الوجودي المضمخ بنكهة الاغتراب من خلال قصة شيقة عن الغربة والوجود والموت.
وتتوزع أدوار المسرحية بين أربعة شخصيات أو شخوص السيد - مولر - شخصية ألمانية موظف في مستودع الأموات وأحلام ابنة المتوفى الذي يحمل الرمز A13 الرقم المشؤوم في الثقافة الغربية وهو رقم مخيف ومزعج . وفاطمة ابنة المتوفى A13 . وشخصية الروح التي جعلها الكاتب تغني وترقص باللغة العربية تارة تغني لجلال الدين الرومي للحلاج لنزار قباني ومحمد عبد الوهاب. والكثير من النصوص العربية . وتارة أخرى تغني و ترقص على نغمات باخ وشومان .. الروح هنا غير مرئية لها تصور آخر للأحداث. تظهر ثم تختفي ثمان مرات فوق الخشبة .. وهكذا موتي الروح يموت الأبطال الثلاثة موتا رمزيا حيث تتغير الألوان والإيقاعات عكس اختفائها حيث تعود الحياة إلى طبيعتها. وهكذا موت وحياة ثم موت وحياة متواصلة .. لابد من الإشارة إلى أن الروح رمزية بالنسبة لشخوص المسرحية لكنها مسموعة ومرئية بالنسبة للجمهور. على أن مختلف هذه الأحداث تدور في برلين ذات خريف من العام 2021. من حيث الديكور تقام المسرحية في مستودع الأموات حيث تبدو الإضاءة خافتة، المكان مهجورا ويبعث على الحزن. ومنه تفوح رائحة من الجثث المرقمة، وفي زاوية من الخشبة توجد مجموعة من الحقائب القديمة.
القصة في جوهرها لا تحكي قصة الموت والصراع حول الدفن فحسب. وإنما تحكي أشياء بأبعاد أخرى أكثر إثارة من القصة المباشرة . مثلا المرأة المهاجرة علاقتها بالعمل بالرأسمال بالمحيط بالجسد المغترب وبإكراهات الاندماج في مجتمع مختلف . المسرحية تطرح أيضا على مستوى آخر أسئلة حول معنى الجسد الروح معنى الحب. تطرح كذلك مسالة الهوية عند الإنسان.. لذلك كانت الوضعية كافكاوية إن صح التعبير جثث كثيرة وأرقام لكن لا أحد من الشخصيات الثلاث تمكن من معرفة ما يقع للآخر . لذلك كان الموت حتميا للثلاثة أحلام وفاطمة و الشخصية الألمانية. هذا الموت الثلاثي موت يرى فيه الكاتب موت الإنسان بشكل عام. لأن القصة كمتن سردي، وكما تلعب على الخشبة، تبدو مشحونة بأبعاد فلسفية وأسئلة أخرى محملة بهم إنساني بالأساس.
نهاية المسرحية مفاجئة جدا. ذلك أن مصالح الصحة في الوزارة الألمانية في برلين قررت حرق الجثة بسبب تأخر الدفن لسبب واحد هو الصراع بين فاطمة وأحلام اللتان ترفضان حرق الجثة. لتقول لنا المسرحية في النهاية أن لا أحد وصل أو تمكن من تحقيق هدفه بما في ذلك مسؤول الدفن في مستودع الأموات الذي يعتبر الجثث أصدقاءه. كانت النهاية مأساوية بينما تعرضت أحلام لصدمة نفسية قوية ، قررت فاطمة البكاء ثم الانسحاب . لكن أحلام في مشهد ساطع يعد الأكثر ملامسة لجوهر المسرحية تختم دورها بعبارة جميلة ومعبرة جدا حيث تخاطب للجميع. قل كلمتك قبل أن تنسحب من الحياة، قبل أن تموت. مسرحية - لكل قبره - كلها ناطقة بالألمانية ،إلا الروح التي رأى المؤلف أن ترقص باللغة العربية توفقت فنيا وفي قالب إبداعي مرموق في ملامسة أحد أكثر المواضيع حساسية بين الثقافات والأديان .
يتمنى المؤلف أن يعرض مسرحية - لكل قبره - للجمهور المغربي والعربي باللغة الأصل مترجمة إلى اللغة العربية.

محمد نبيل كاتب مغربي ومخرج مسرحي وسينمائي له تجربة طويلة ورصيد إعلامي معتبر في تنظيم وإقامة أنشطة ثقافية عربية في العاصمة الألمانية برلين. وفي رصيده بعض من الأفلام التسجيلية كتابة وإخراجا. هو إلى جانب ذلك صحافي و كاتب ـ أستاذ فلسفة سابقا ـ حاصل على دبلوم في الصحافة و العلوم السياسية بكندا قبل الاستقرار نهائيا بألمانيا.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن