لكنها أمطار مُحمَّلة بالأتربة

مارينا سوريال
2026 / 7 / 14

رغم الأمطار، سادت الأتربة. كان طقساً غريباً. الجميع مختنق، الفصل مزدحم. صوت الزفرات في الصباح الباكر أنبأ بيوم آخر مُمِل، مثل الفصول الطويلة لذلك العام.
قُرع الباب. فُتح ببطء. دخلت الصغيرة منكسة الرأس.
راقبتها كما اعتدت أن أفعل دوماً؛ ربما لأنها صغيرة للغاية. منذ سنوات وهي على ذات الحجم؛ الجميع يكبر، ولكن هي، لماذا؟ لماذا لا تكبر أبداً؟ ذات الجسد الصغير والرأس المنتفخ الجبين. آثار الكدمات الزرقاء، بعض الألوان البنفسجية على ذراعها.
تتركها المعلمة تدخل؛ لم يعد الأمر مُدهشاً. تدخل وتجلس. لا أحد ينظر.
اعتادت الجلوس في الصف الأخير. ولكن كيف كانت ترى السبورة؟ من يهتم؟ تضع يدها على خديها وتراقب العدم أو النافذة، إن استطاعت القرب منها.
في ذلك اليوم، قَدِمت أمها مثلما اعتادت منذ الصف الابتدائي. القدوم ورؤيتها لدقائق معدودة؛ تسمح لها المعلمات دوماً. لن تعود الأم معها إلى البيت، لن تعود أبداً. كانت تخشى من "هناك".
هو لم يأتِ ولا مرة. ربما رأته الساردة مرة: في ذلك الصباح، في طريق المدرسة. رأتها تهبط من تلك البناية. إنه منزلها إذن. رجل متوسط الحجم، يبدو أنه لم يضحك من قبل. كان يقف من بعيد يراقبها حتى تغيب.
دوماً هناك كدمات. تسير منكسة الرأس. بوم بوم بوم، حذاؤها الصغير وكأنه يضرب الأرض.
في يوم، أغضبتها؛ أغضبت فتاة "السلاح الغاضبة" (التي لا تُخرجه من فمها سوى عند الغضب). ولكن ماذا فعلت؟ إنها لم تفعل شيئاً. كانت هناك، ربما تغسل وجهها في يوم مُنهك، تراقب أعقاب سجائرهن.
ولكن الجميع يعلم. الجميع يعلم. قلت (في نفسي): ما شأنها؟ لم يسمع أحد. كان على أحدهم الحديث ولو لمرة واحدة فقط.
سجائر، سرقة حقائب. كان الفناء واسعاً. يمكن حمل حقيبة الظهر دوماً والتجول بها. معها، في طريق العودة إلى المنزل. سارتا معاً، راقبتها تدخل بنايتها وهي تكمل طريقها. لا بأس من حمل الحقيبة دوماً من أجل التكلم ولو لمرة واحدة. أليس ذلك أفضل من الصمت الدائم؟
تهبط الأمطار من جديد، لكنها أمطار مُحمَّلة بالأتربة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن