|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

هاشم معتوق
2026 / 7 / 12
ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر أيرلندا الذي منح الشعر الحديث روحه الخالدة
ليس من اليسير الحديث عن ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats، 1865–1939)، لأننا لا نقف أمام شاعر كبير فحسب، بل أمام ظاهرة أدبية وفكرية وحضارية أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي لأيرلندا الحديثة، وترك أثرًا بالغًا في الشعر العالمي حتى غدا اسمه مقرونًا بأسماء كبار المبدعين الذين غيّروا مسار الأدب في القرن العشرين. وقد تُوِّجت هذه المكانة بمنحه جائزة نوبل في الأدب عام 1923، ليكون أول أديب أيرلندي ينال هذا التكريم، بعد أن رأت الأكاديمية السويدية أن شعره يمتلك جمالًا فنيًا رفيعًا، ويجسد الروح القومية في صورة إنسانية ذات قيمة عالمية.
وُلِد ييتس في مدينة دبلن (Dublin) في الثالث عشر من يونيو سنة 1865، ونشأ في أسرة تنتمي إلى الطبقة المثقفة؛ فكان والده جون بتلر ييتس (John Butler Yeats) رسامًا معروفًا، بينما كانت والدته سوزان ماري بولكسفين (Susan Mary Pollexfen) تنتمي إلى أسرة ميسورة من مقاطعة سليغو (Sligo)، تلك الأرض التي ستصبح فيما بعد القلب النابض لشعره ومصدرًا دائمًا لخياله وصوره وأسطورته الخاصة. وقد عاش متنقلًا بين دبلن ولندن (London) وسليغو، فجمع منذ طفولته بين الثقافة الإنجليزية والتراث الأيرلندي، وبين المدنية الحديثة والطبيعة الريفية، وهو التوازن الذي سيظل ظاهرًا في جميع أعماله.
لم يكن ييتس شاعرًا يولد من الكلمات وحدها، بل من التاريخ والأسطورة والذاكرة الشعبية. فقد نشأ في زمن كانت فيه أيرلندا تبحث عن هويتها السياسية والثقافية تحت الحكم البريطاني، وكانت الحركة القومية تسعى إلى استعادة اللغة والتراث والأدب المحلي. ومن هنا وجد ييتس أن الشعر ليس مجرد فن للغناء أو التعبير الذاتي، بل رسالة حضارية تحفظ ذاكرة الأمة وتعيد إليها ثقتها بنفسها. ولذلك انخرط في مشروع النهضة الأدبية الأيرلندية، وسعى إلى إحياء الأساطير الكلتية (Celtic Mythology)، والحكايات الشعبية، والشخصيات التاريخية، وجعلها جزءًا من الأدب الحديث.
وكان من أبرز إنجازاته مشاركته في تأسيس المسرح الأدبي الأيرلندي الذي تطور لاحقًا إلى مسرح آبي (Abbey Theatre)، أول مسرح وطني في أيرلندا، حيث تعاون مع الليدي أوغستا غريغوري (Lady Augusta Gregory) وجون ميلينغتون سنغ (John Millington Synge) وغيرهما من رواد النهضة الأدبية، مؤمنًا بأن المسرح لا يقل أهمية عن الشعر في تشكيل وجدان الأمة.
أما حياته الاجتماعية فقد اتسمت بالهدوء والتأمل، وإن كانت لا تخلو من أحداث تركت آثارًا عميقة في نفسه. فقد أحب المناضلة الأيرلندية مود غون (Maud Gonne) حبًا استثنائيًا استمر سنوات طويلة، وطلب الزواج منها مرارًا، لكنها رفضته، فتحولت في شعره إلى رمز للجمال المستحيل، والوطن، والثورة، والمرأة المثالية. وليس من المبالغة القول إن جانبًا كبيرًا من شعر الحب عند ييتس إنما وُلد من هذه التجربة الإنسانية العميقة التي امتزج فيها العشق بالقومية، والجمال بالحلم السياسي.
وفي سنة 1917 تزوج جورجي هايد-ليز (Georgie Hyde-Lees)، التي كانت ذات ثقافة واسعة واهتمام بالفلسفة والروحانيات، وقد أسهمت في استقرار حياته الفكرية والعائلية، وشجعته على تدوين أفكاره الميتافيزيقية التي ظهرت لاحقًا في كتابه الفلسفي الشهير رؤية (A Vision)، وهو من أكثر أعماله تعقيدًا، إذ حاول فيه تفسير التاريخ الإنساني بوصفه حركة دورية تتكرر عبر الزمن وفق نظام رمزي خاص.
ولم يكن ييتس بعيدًا عن الحياة السياسية، فقد آمن بحق أيرلندا في الاستقلال، غير أنه رفض التعصب والعنف الأعمى، وكان يرى أن النهضة الثقافية تسبق النهضة السياسية. وبعد تأسيس الدولة الأيرلندية الحرة عُيّن عضوًا في مجلس الشيوخ الأيرلندي (Irish Senate)، فدافع عن حرية الفكر والتعليم والفنون، مؤكدًا أن بناء الدولة لا يتحقق بالقوانين وحدها، وإنما ببناء الإنسان والثقافة.
تُقسم تجربته الشعرية عادة إلى ثلاث مراحل كبرى؛ ففي المرحلة الأولى ظهر شاعرًا رومانسيًا متأثرًا بويليام بليك (William Blake)، وبيرسي بيش شيلي (Percy Bysshe Shelley)، وبالخيال والأسطورة والموسيقى الداخلية. ثم انتقل إلى مرحلة أكثر نضجًا، مزج فيها بين الرمز والتاريخ والسياسة، حتى بلغ في مرحلته الأخيرة ذروة الحداثة، حيث أصبحت لغته أكثر تكثيفًا، وصوره أكثر جرأة، وتأملاته أكثر عمقًا، فكتب قصائد تُعد من روائع الشعر العالمي مثل المجيء الثاني (The Second Coming)، والإبحار إلى بيزنطة (Sailing to Byzantium)، وعيد الفصح 1916 (Easter 1916)، والبجع البري في كول (The Wild Swans at Coole)، وبين أطفال المدارس (Among School Children).
ويكاد النقاد يجمعون على أن قصيدة المجيء الثاني (The Second Coming) تمثل ذروة رؤيته الفلسفية، إذ يصور فيها عالمًا يفقد توازنه، وتنهار فيه المراكز الأخلاقية والسياسية، حتى أصبحت عبارته الشهيرة: «الأشياء تتداعى، والمركز لا يستطيع أن يصمد» من أكثر العبارات الشعرية حضورًا في الفكر والسياسة والنقد الأدبي في القرن العشرين.
ومن السمات الكبرى التي تميز شعر ييتس مزجه الفريد بين الموسيقى والرمز والأسطورة والتاريخ، حتى أصبحت قصيدته تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تنفتح على مستويات لا تنتهي من التأويل. وقد أفاد من الميثولوجيا الكلتية، والأساطير اليونانية، والتراث المسيحي، والفلسفات الشرقية، والتصوف، والروحانيات، وصاغ منها جميعًا عالمًا شعريًا خاصًا لا يشبه أحدًا.
ولم يقتصر تأثيره على الأدب الأيرلندي، بل امتد إلى الشعر الإنجليزي والعالمي، فأثر في شعراء الحداثة مثل توماس ستيرنز إليوت (T. S. Eliot)، وإزرا باوند (Ezra Pound)، ووستان هيو أودن (W. H. Auden)، كما أصبحت أعماله موضوعًا دائمًا للدراسة في الجامعات، وترجمت إلى عشرات اللغات، وألهمت أجيالًا من الشعراء والنقاد والباحثين.
لقد جاءت جائزة نوبل سنة 1923 اعترافًا عالميًا بمشروع أدبي كامل، لا بمجموعة قصائد فحسب؛ فقد استطاع ييتس أن يحول التجربة الأيرلندية الخاصة إلى تجربة إنسانية شاملة، وأن يجعل الشعر جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الأسطورة والواقع، وبين الوطن والإنسانية. ولذلك ظل اسمه حاضرًا بين كبار شعراء العالم، وأصبح رمزًا لقدرة الأدب على بناء الهوية وصيانة الذاكرة ومقاومة النسيان.
وهكذا يقف ويليام بتلر ييتس في تاريخ الأدب العالمي بوصفه شاعرًا جمع بين عبقرية الخيال، وعمق الفكر، ورهافة الموسيقى، وقوة الرؤية التاريخية، حتى أصبح شعره وثيقةً فنيةً وفكريةً عن الإنسان في صراعه مع الزمن، والوطن، والحب، والموت، والحقيقة، وهي القضايا التي تجعل أدبه حيًا ومتجددًا مهما تعاقبت الأجيال.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |