كيف يتحول شباب غزة من البحث عن الأمل إلى صناعته؟

سلامه ابو زعيتر
2026 / 7 / 9

إن النهوض من وسط الركام ليس مجرد معركة توفير أدوات ومواد بناء، بل هو مسيرة بعث إنساني وحقوقي في المقام الأول؛ من هنا، تتجلى حقيقة تنموية كبرى: لا يمكن لأي أمة أن تعيد إعمار حاضرها أو تؤمن مستقبلها إذا تجاوزت شبابها، فالشباب ليسوا مجرد طاقة بشرية عابرة أو فئة مستهدفة بالرعاية والوصاية، بل هم الروح والمحرك الاستراتيجي لكل مجالات التعافي؛ وحيثما وُجّه الاستثمار في بناء الإنسان وتأهيله نفسياً ومعرفياً، تحول هذا الإنسان من باحث عن الأمل إلى صانع حقيقي له.
مخطئ وحالم من يعتقد من صناع القرار والمخططين أن هناك أفقاً لأي جهد وطني أو تنموي بمعزل عن الشباب، أو أنه يمكن صياغة مستقبل لا يقوم على مشاركتهم كهدفٍ، واستهدافٍ، وأداة تنفيذية، فإن أردنا إصابة كبد الحقيقة في أي عملية للنهوض، يجب التعامل مع الشباب كرسالة وقوة عمل سيادية، لا كمجرّد فئة ديموغرافية أو أرقام صماء في الإحصائيات؛ فهم الوقود والمحرك وعصب الحياة لأي مجتمع يطمح للبعث من وسط الرماد.
وفي سياق قطاع غزة تحديداً، يكتسب هذا المفهوم بعداً مصيرياً واستثنائياً؛ إذ إن إعادة الإعمار والتعافي الحقيقي لا تبدأ برصّ الحجر، بل بـبناء البشر، وإن تشييد الأبراج والمرافق يظل هيكلاً بلا روح ما لم يُنفخ فيه من طاقة الشباب وعزيمتهم، ومشاركتهم وتمكينهم ليست ترفاً، بل هي حق إنساني وقانوني أصيل لإصلاح ما أفسدته الحروب والأزمات المتلاحقة على الصعد كافة الاقتصادية، التنموية، الاجتماعية، النفسية، والثقافية.
وحين نلتفت إلى الشباب في غزة، فإننا ننظر إلى الفئة التي وُصفت تاريخياً بأنهم "أرقّ الناس أفئدة"، وهم الأكثر عطاءً وتضحية، ولكنهم في الوقت ذاته الأكثر تأثراً بالواقع الصادم للأزمات، مما يفرض تحديات عميقة تمسّ صحتهم النفسية وسلوكياتهم الاجتماعية؛ لذا، فإن الخطوة الأولى في فلسفتنا التنموية تقتضي من المخططين والجهات المانحة فهم سوسيولوجيا الشباب؛ ونقصد بذلك خصائصهم الاجتماعية، بيئتهم، تحولاتهم الفكرية، وتحدياتهم السلوكية في بيئة الأزمات، فالشباب ليسوا قالباً واحداً يُصبّ فيه أي تدريب تقليدي، والمعادلة الحقيقية لحمايتهم من اليأس والأمراض الاجتماعية تكمن في ركيزتين متكاملتين:
1. البنية التحتية النفسية حيث ان تصميم برامج الدعم النفسي والاجتماعي المبتكرة، وتفريغ الطاقات السلبية وتحويلها إلى قوة دافعة عبر الأنشطة الرياضية والثقافية والمجتمعية، هي البنية التحتية غير المرئية التي يجب أن تسبق وتوازي رصف الطرق وإعادة إعمار وتشييد المباني.
2. الواجب الأخلاقي والتحصين الاستراتيجي يفرض ان رعاية الشباب ومراعاة خصوصيتهم النفسية بعد الأزمات ليست منّةً من صانع القرار، بل هي واجب أخلاقي، والتزام حقوقي، وخطوة استراتيجية أولى لتحصين قلب المجتمع النابض، تنفيذاً للوصية الإنسانية والروحية بالشباب خيراً.
بناءً على ذلك، يجب أن تقوم الفلسفة التنموية للجيل الجديد على مبدأ "التنمية بالمشاركة"؛ هذا المبدأ الحقوقي الذي يرفض تماماً وضع الشباب في خانة الرعاية والوصاية أو التعامل معهم كمستهلكين سلبيين للخطط التي تُصنع في الغرف المغلقة، بل يدعو صانع القرار إلى دمجهم العضوي عبر ثلاثة مستويات متكاملة:
1. مرحلة التخطيط والفكرة عبر فتح المجال العام لإشراك الشباب كعناصر فاعلة في مجالس التخطيط ولجان التعافي والإعمار الرسمية، للاستماع لرؤيتهم الميدانية لشكل المستقبل الذي يريدون العيش فيه.
2. مرحلة التأهيل والتدريب من خلال تزويدهم بالمعارف والمهارات الحديثة ليكونوا قادة الميدان والابتكار.
3. مرحلة التنفيذ والإشراف بإشراكهم بشكل مباشر ليختبروا قيمة الإنجاز بأيديهم، مما يعزز لديهم شعور الملكية الوطنية للمشاريع، ويضمن استدامتها؛ فالشباب هم من سيديرون هذه المنشآت على المدى الطويل.
ولكن، كيف يمكن تحقيق هذه المشاركة الشبابية الفاعلة في ظل واقع جرافي معقد وحصار خانق؟
هنا تبرز التكنولوجيا كأداة حرية كاسرة للحصار، والذراع التنفيذي الفعلي لفكرة التنمية بالمشاركة في عالم متسارع، لم يعد مفهوم "المشاركة الفاعلة" أو "فرص العمل" مرتبطاً بالمصنع أو المكتب التقليدي المحاصر جغرافياً؛ بل إن التطور الرقمي يمنح شباب غزة "أجنحة تكنولوجية" لتجاوز الحدود عبر الاقتصاد الرقمي المرن والعمل عن بُعد؛ ومن هنا، تصبح المشاركة الحقيقية للشباب في إعمار مجتمعهم قائمة على تمكينهم في مسارين متوازيين:
• الارتقاء بالمهارات الناعمة والحياتية مثل التفكير النقدي، القيادة، وحل المشكلات المعقدة، وهي الأساس لتنمية قدرات الشاب القيادية والذاتية ليصبح شريكاً في القرار.
• التمكين التقني المتقدم عبر معسكرات تدريبية مكثفة تواكب احتياجات السوق العالمي الفوري والافتراضي؛ مثل الذكاء الاصطناعي، البرمجة، هندسة البيانات، والتسويق الإلكتروني، بجانب المهارات الميدانية كالهندسة والمقاولات والدعم النفسي، ليكون الشباب هم الأدوات الفنية الفعالة للإعمار.
إن فتح آفاق العمل الحر ودعم المشاريع الناشئة للشباب عبر قروض ميسرة أو "منح صفرية"، هو الضامن لتحويل التنمية بالمشاركة من مجرد شعار سياسي إلى استقلالية اقتصادية فورية، تحول عقولهم المبدعة إلى صادرات معرفية عابرة للحدود دون الحاجة لتأشيرات سفر.
ولتحويل هذه الرؤية المتكاملة (التي تبدأ بالدعم النفسي، وتمر بالمشاركة في التخطيط، وتنتهي بالتمكين الرقمي) إلى واقع ملموس، يجب على أصحاب القرار التحرك عبر بوصلة ثلاثية الأبعاد: الارتقاء بالقدرات من خلال تعليم مرن يواكب الثورة الرقمية، ثم إتاحة الفرص عبر خلق بيئة تشريعية وتمويلية تحتضن ريادة الأعمال، وأخيراً إطلاق الصلاحيات بتسليم الراية للشباب لرفد خطط الإعمار التقليدية بحلول برمجية وتقنية يبتكرونها بأنفسهم لإدارة الموارد بكفاءة.
الخلاصة: حين نُهمل بناء الإنسان ونركز على الحجر وحده، فإننا نبني بيوتاً هشّة قد تتداعى أمام أول هزة اجتماعية أو نفسية، أما حين نؤهل الشباب نفسياً، ومهارياً، ورقمياً، فإننا نؤسس لمناعة مجتمعية حقيقية وأصيلة؛ فالأيدي الماهرة والعقول الحية هي التي ترفع الحجر وتمنحه روحاً ومعنى.
إن إشعال شموع الأمل في طريق الشباب هو استثمار مضمون العائد؛ فالشاب الذي يجد غاية يسعى لأجلها، وفرصة عمل لائقة تحفظ كرامته الإنسانية، ينقلب تلقائياً من موقف الانتظار والترقب إلى موضع الفعل والقيادة وصناعة الأمل لنفسه ولمجتمعه.
إن غزة، في مراحل تعافيها، تحتاج من قادتها ومخططيها إلى ثورة في نمط التفكير التنموي؛ ثورة تضع عقول الشباب وصحتهم النفسية ومهاراتهم الرقمية في مقدمة الموازنات والخطط، فلنستثمر في أصحاب الأفئدة الرقيقة والعزائم الصلبة، ولنجعل منهم عماد البناء ومستقبل الوطن؛ فحيثما وُجد الشباب المؤهل رقمياً، والمستقر نفسياً، والمُمكّن قيادياً وحقوقياً... وُجد المستقبل المزدهر والانبعاث الحضاري الشامل الذي لا يعرف المستحيل.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن