|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عامر هشام الصفّار
2026 / 7 / 8
لطالما أرتبط أسم بابل في الذاكرة الإنسانية بالتاريخ والأساطير، فهي مدينة الجنائن المعلقة، وبرج بابل. غير أن المؤرخ البريطاني البروفيسور لويد لويلين-جونز، أستاذ التاريخ القديم في جامعة كارديف/ مقاطعة ويلز البريطانية، يسعى في كتابه الجديد «Babylon: The Mother of All Cities» (بابل… أم المدن أو سيدة المدن) إلى إعادة المدينة إلى حقيقتها التاريخية، بعيداً عن طبقات الأسطورة التي غطّت صورتها عبر القرون.
لا يقدم المؤلف كتاباً عن مدينة أثرية فحسب، بل يكتب ما يشبه السيرة الذاتية لحاضرةٍ صنعت جانباً كبيراً من تاريخ الحضارة الإنسانية. فمنذ نشأتها على ضفاف الفرات، مروراً بعصور ازدهارها وإمبراطوريتها العالمية، وانتهاءً بأفولها وتحولها إلى أطلال، يرسم الكتاب صورة نابضة بالحياة لبابل المدينة التي كانت يوماً قلب العالم القديم.
ولعل من أبرز ما يميز كتاب جونز أنه ينقل القارئ من قصور الملوك إلى شوارع المدينة وأسواقها. فبابل ليست هنا مجرد عاصمة للملوك، بل مدينة يعيش فيها المعلمون والكهنة والحرفيون والجنود والعبيد والتجار، حيث تتقاطع طرق الناس في الأسواق والأزقة كما تتقاطع اليوم في المدن الكبرى. ويستند المؤلف في ذلك إلى آلاف النصوص المسمارية التي تكشف تفاصيل دقيقة عن الحياة اليومية، من القوانين والتعليم إلى الأدب والمراسلات والعادات الاجتماعية.
كما يستعرض الكتاب تاريخ أبرز ملوك بابل، وفي مقدمتهم حمورابي، الذي أرتبط اسمه بأشهر الشرائع القانونية في العالم القديم، ثم نبوخذ نصر الثاني الذي بلغت المدينة في عهده ذروة مجدها العمراني والسياسي، حتى غدت واحدة من أعظم مدن العالم، تتلألأ بالذهب واللازورد، وتبهر زائريها بأسوارها الضخمة وبوابة عشتار الشهيرة.
يرى لويلين-جونز أن مأساة بابل التاريخية لم تكن سقوطها السياسي، بل أن صورتها الأسطورية طغت على حقيقتها. أما المصادر المسمارية فتكشف في حقيقة الأمر عن مجتمع متدين، منظم، ومتقدم في العلوم والإدارة والكتابة والرياضيات والأدب. ويؤكد مؤلف الكتاب أن فهم تاريخ بابل لا يكتمل إلا بدراسة الحقيقة والأسطورة معاً، لأن كليهما أسهم في تشكيل صورتها عبر الزمن.
ولابد أن نذكر هنا أن مؤلف الكتاب، البروفيسور لويد لويلين-جونز، يعتبر من أبرز المؤرخين المتخصصين في تاريخ الشرق الأدنى القديم. فهو يشغل كرسي أستاذ التاريخ القديم في جامعة كارديف، وأمضى سنوات طويلة في دراسة حضارات مصر وبلاد الرافدين وإيران القديمة، كما ظهر في برامج وثائقية على هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ونتفليكس، وتعاون مع المتحف البريطاني في عدد من معارضه الكبرى. ومن أشهر مؤلفاته كتب عن الفرس، والملكات البطلميات، واليونان القديمة، وتاريخ هوليوود في تصوير العالم القديم.
ولابد من القول أن هذا الكتاب يمثّل أهمية استثنائية للقارئ العراقي والعربي، لأنه يعيد تقديم بابل بوصفها إرثاً حضارياً عراقياً أسهم في تشكيل التاريخ الإنساني، بعيداً عن الصور النمطية التي هيمنت طويلاً على الوعي العالمي. كما أنه يربط بين أحدث الاكتشافات الأثرية وقراءة النصوص المسمارية، ليقدم رؤية حديثة ومتوازنة لإحدى أعظم مدن التاريخ.
إن «بابل… سيدة المدن» ليس مجرد كتاب في التاريخ القديم، بل هو رحلة علمية وأدبية إلى المدينة التي كانت يوماً عاصمة العالم، والتي ما زال اسمها يثير الدهشة بعد أكثر من أربعة آلاف عام. ونجح لويد لويلين-جونز في أن يكتب عملاً يجمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السلس، ليعيد إلى بابل مكانتها الحقيقية، لا بوصفها مدينة أسطورية فحسب، بل بأعتبارها واحدة من أعظم المدن التي أنجبتها الحضارة الإنسانية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |