عندما تصبح التجارة أداة للابتزاز السياسي: ماذا ‏تعني تهديدات ترامب لإسبانيا وأوروبا؟

نظمي يوسف سلسع
2026 / 7 / 8

لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي لوّح فيها بإجراءات تجارية ضد ‏إسبانيا بسبب موقفها من الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، مجرد تعبير عن ‏خلاف عابر بين حليفين. فهي تكشف، مرة أخرى، عن رؤية للعلاقات الدولية تختزل ‏التحالفات في معادلة الربح والخسارة، وتحاول تحويل النفوذ الاقتصادي إلى وسيلة لإعادة ‏تشكيل المواقف السياسية للدول‎.‎
قد تبدو هذه المقاربة منسجمة مع الخطاب السياسي الذي يفضله ترامب، والقائم على فكرة ‏أن الولايات المتحدة تتحمل أعباءً أكبر من حلفائها، وأن الوقت قد حان لإعادة توزيع ‏الكلفة. غير أن الانتقال من النقاش المشروع حول تقاسم المسؤوليات داخل الحلف إلى ‏التلويح بالعقوبات الاقتصادية ضد دولة حليفة يمثل تحولًا يثير أسئلة تتجاوز الحالة ‏الإسبانية، ليطال مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا بأسرها‎.‎
فإسبانيا ليست دولة خارج المنظومة الغربية، ولا خصمًا استراتيجيًا لواشنطن، بل عضو ‏فاعل في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وشريك في ملفات الأمن المتوسطي، ومكافحة ‏الإرهاب، والهجرة، والاستقرار الإقليمي. وقد شاركت في العديد من العمليات العسكرية ‏والبعثات الدولية، وقدمت مساهمات لا يمكن قياسها فقط بنسبة الإنفاق الدفاعي إلى الناتج ‏المحلي الإجمالي. فالأمن الجماعي لا يُختزل في مؤشر مالي، بل يشمل القدرات ‏العسكرية، والموقع الجغرافي، والبنية اللوجستية، والإسهام السياسي والاستخباراتي‎.‎
والأهم من ذلك أن التهديدات التجارية الموجهة إلى إسبانيا تتجاهل حقيقة قانونية وسياسية ‏لا يمكن القفز فوقها، وهي أن السياسة التجارية ليست شأنًا إسبانيًا منفردًا، بل اختصاص ‏حصري للاتحاد الأوروبي. ومن ثم فإن أي إجراء يستهدف مدريد ستكون له انعكاسات ‏على العلاقة مع بروكسل، بما قد يفتح بابًا جديدًا للتوتر بين ضفتي الأطلسي في مرحلة ‏يحتاج فيها الغرب، أكثر من أي وقت مضى، إلى قدر أكبر من التنسيق والوحدة‎.‎
كما أن استخدام التجارة أداةً للضغط السياسي يحمل في طياته مفارقة واضحة. فالاقتصاد ‏الأمريكي نفسه يرتبط بعلاقات استثمارية وتجارية عميقة مع أوروبا، والشركات ‏الأمريكية الكبرى تعتمد على السوق الأوروبية، كما تعتمد الشركات الأوروبية على السوق ‏الأمريكية. وفي عالم تتشابك فيه سلاسل الإمداد والاستثمار، لم تعد العقوبات التجارية ‏سلاحًا أحادي الاتجاه؛ إذ غالبًا ما ترتد آثارها على جميع الأطراف، بما في ذلك الطرف ‏الذي يفرضها‎.‎
اللافت أيضًا أن هذا النوع من الخطاب لا يقتصر على الخلاف مع إسبانيا، بل ينسجم مع ‏توجه أوسع يدفع نحو إعادة تعريف مفهوم التحالف. فبدل أن تقوم العلاقات بين الحلفاء ‏على الثقة والمصالح المشتركة، تصبح أقرب إلى علاقة تعاقدية تُقاس بمن يدفع أكثر ومن ‏يحصل على مقابل أكبر. لكن التجربة التاريخية أثبتت أن التحالفات العسكرية والسياسية لا ‏تُدار بمنطق الصفقات، وإنما بمنطق المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد‎.‎
أما أوروبا، فقد تغيرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة. فالحرب في أوكرانيا، وتصاعد ‏التوترات الدولية، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في منظومته الدفاعية، وزيادة ‏الإنفاق العسكري، وتعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية، والسعي إلى قدر أكبر من ‏الاستقلالية الاستراتيجية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على متانة الشراكة مع الولايات ‏المتحدة. لذلك فإن أي محاولة لتصوير أوروبا باعتبارها مجرد مستفيد من المظلة الأمنية ‏الأمريكية تتجاهل التحولات التي يشهدها المشهد الأوروبي‎.‎
وفي هذا السياق، تبدو إسبانيا جزءًا من هذا التحول، لا استثناءً عنه. فهي تنطلق في ‏سياساتها الدفاعية من تقديراتها لمصالحها الوطنية والتزاماتها الأوروبية، ومن حقها أن ‏تناقش أولويات الإنفاق العام في ضوء أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، تمامًا كما تفعل ‏أي دولة ذات سيادة. والاختلاف في تقدير الوسائل لا يعني التخلي عن الالتزامات أو ‏التنصل من المسؤوليات‎.‎
في النهاية، لا يتعلق الأمر بإسبانيا وحدها، بل بطبيعة النظام الدولي الذي يريده الحلفاء ‏لأنفسهم. فإذا أصبحت التجارة وسيلة لمعاقبة الشركاء، وغدت التحالفات رهينة للضغوط ‏الاقتصادية، فإن الثقة التي شكّلت أساس العلاقات عبر الأطلسي طوال عقود ستتعرض ‏للاهتزاز‎.‎
لقد أثبت التاريخ أن التحالفات الأكثر صلابة ليست تلك التي تقوم على الخوف أو الإكراه، ‏بل تلك التي تُبنى على الاحترام المتبادل، والالتزام بالقانون، وإدارة الخلافات بالحوار. ‏ومن هذه الزاوية، فإن الدفاع عن حق إسبانيا في اتخاذ قراراتها السيادية، والدفاع عن ‏وحدة الموقف الأوروبي، ليس موقفًا عاطفيًا أو أيديولوجيًا، بل دفاع عن قواعد النظام ‏الدولي التي تحمي جميع الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، من أن تتحول القوة الاقتصادية ‏إلى أداة للإملاء السياسي‎.‎

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن