فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.

هاشم معتوق
2026 / 7 / 8

جماليات الرمز والهوية في تجربة فيصل لعيبي قراءة في البنية التشكيلية والوعي الحضاري

لا تُقاس أهمية العمل الفني بقدرته على تمثيل الواقع، بل بقدرته على إعادة إنتاجه داخل منظومة جمالية تفتح أمام المتلقي آفاقاً جديدة للتأويل. ومن هذا المنطلق تندرج هذه اللوحة ضمن الأعمال التي تتجاوز حدود السرد البصري لتغدو خطاباً تشكيلياً متكاملاً، تتداخل فيه الذاكرة الحضارية مع الحس الإنساني، ويتحول المشهد اليومي إلى بنية رمزية كثيفة، تكشف عن مشروع فني ناضج استطاع فيصل لعيبي من خلاله أن يؤسس لغة تشكيلية ذات هوية خاصة داخل الفن العربي المعاصر.
في ظاهرها، تبدو اللوحة تصويراً لرجل يجمع الورود في حقل أخضر، غير أن القراءة النقدية تكشف سريعاً أن الفنان لا يرسم الحدث، وإنما يرسم معناه. فالإنسان هنا ليس شخصية فردية، بل نموذج رمزي يستحضر صورة الإنسان الأول الإنسان الذي صنع الحضارة بيده، وأقام صلته الأولى بالأرض والطبيعة. ولهذا تتجاوز الشخصية حدود التشخيص الواقعي لتصبح علامة بصرية تختزل الذاكرة الرافدينية بكل امتداداتها التاريخية والروحية.
لقد اختار الفنان أن يبني شخصيته وفق نظام شكلي يستلهم النحت السومري والآشوري فالوجه الجانبي الصارم، والبنية المتماسكة، واستقرار الجسد، جميعها مفردات تستعيد روح الفن العراقي القديم، لكنها لا تُستنسخ بوصفها أثراً تاريخياً، وإنما يعاد تشكيلها داخل رؤية معاصرة تجعل الماضي مادةً حية للحاضر. وهنا تكمن إحدى أهم خصوصيات تجربة فيصل لعيبي، إذ لا يستعير التراث، بل يعيد إنتاجه بوصفه لغة تشكيلية متجددة.
ويتأسس البناء العام للعمل على مركزية الإنسان، غير أن هذه المركزية لا تلغي حضور الطبيعة، بل تقيم معها علاقة تكامل عضوي. فالغابة الكثيفة من الورود والسيقان لا تعمل بوصفها خلفية زخرفية، وإنما تشارك في بناء الإيقاع البصري، حتى يغدو النبات امتداداً للجسد، ويصبح الإنسان امتداداً للأرض. ومن خلال هذا التلاحم يطرح الفنان رؤية فلسفية تؤكد أن الوجود الإنساني لا يكتمل إلا داخل منظومة الحياة الطبيعية، وأن العمل والجمال وجهان لحقيقة واحدة.
ومن أبرز خصائص اللوحة اعتمادها التسطيح بوصفه خياراً جمالياً واعياً، لا نتيجة لغياب المنظور الأكاديمي. فالفضاء لا يقوم على العمق الهندسي، وإنما على التوازي والإيقاع، وهو ما يربط العمل بتقاليد الجداريات العراقية القديمة والمنمنمات الإسلامية والفنون الشعبية، حيث تتحدد قيمة العنصر بمكانته الرمزية لا بموقعه الفراغي. وبذلك يتحول سطح اللوحة إلى مجال زخرفي نابض بالحركة، تتوازن داخله الكتل والخطوط في نظام بصري شديد الانسجام.
أما الخط، فيمثل العنصر البنائي الأكثر حضوراً في هذا العمل. فالفنان لا يستخدمه لتحديد الأشكال فحسب، وإنما يبني به إيقاعاً داخلياً تتحاور فيه الخطوط الرأسية للنباتات مع الانحناءات الهادئة للجسد والمنجل وباقة الورود. ومن خلال هذا الحوار الخطي تتولد حركة بصرية مستمرة تمنح اللوحة استقرارها وديناميتها في آن واحد.
ويكشف اللون عن وعي جمالي رفيع يقوم على الانسجام أكثر من التباين. فاللون الأخضر لا يؤدي وظيفة وصفية للطبيعة، بل يتحول إلى رمز للخصب والاستمرار، بينما تمنح الورود الوردية اللوحة بعداً شعرياً يخفف من صرامة البناء الهندسي. أما الخلفية المكونة من آلاف اللمسات الدقيقة فتخلق فضاءً ضوئياً أقرب إلى النسيج البصري، فتغدو السماء جزءاً من الإيقاع العام بدلاً من أن تكون فراغاً محايداً.
وتبلغ اللوحة ذروة دلالتها في العلاقة التي يقيمها الفنان بين المنجل وباقة الورود. فمن الناحية البصرية يتجاور العنصران داخل حركة واحدة، أما من الناحية الرمزية فإنهما يمثلان وحدة الضدين فالأداة المرتبطة بالحصاد والعمل الشاق تتحول إلى وسيلة لحمل الجمال، وكأن الفنان يؤكد أن الحضارة لا تولد إلا عندما تتحول اليد العاملة إلى يد قادرة على إنتاج الجمال. ومن هنا يصبح العمل نفسه فعلاً جمالياً، وتغدو الوردة ثمرةً للجهد الإنساني قبل أن تكون عنصراً طبيعياً.
إن القيمة الحقيقية لهذا العمل تكمن في نجاحه في تجاوز الثنائية التقليدية بين التراث والحداثة. فهو لا يعيد إنتاج الماضي بوصفه نموذجاً جاهزاً، ولا يذوب في التجارب الحداثية المستوردة، وإنما يؤسس صيغة تشكيلية مستقلة تستمد مشروعيتها من الهوية الثقافية العراقية ومن الحس الإنساني الكوني في آن واحد. ولهذا تبدو اللوحة امتداداً لمشروع فكري وجمالي يجعل من الإنسان محوراً للحياة، ومن العمل مصدراً للجمال، ومن الذاكرة الحضارية طاقة متجددة للإبداع.
لقد استطاع فيصل لعيبي أن يمنح المشهد البسيط كثافة فلسفية نادرة، وأن يحول واقعة يومية عابرة إلى نص بصري مفتوح على قراءات متعددة، وهو ما يجعل هذا العمل واحداً من النماذج المهمة في دراسة الفن التشكيلي العربي المعاصر. فهو يقدم مثالاً واضحاً على قدرة الفنان على بناء لغة بصرية متفردة، تتوازن فيها قوة التكوين مع شفافية اللون، ودقة الخط مع ثراء الرمز، لتنتج عملاً تتجاوز قيمته حدود المتعة البصرية إلى فضاء الفكر والجمال.
إن هذه اللوحة ليست تصويراً لإنسان يقطف الورود، بل هي احتفاءٌ بالإنسان بوصفه صانعاً للحياة، وبالجمال بوصفه أعلى أشكال العمل، وبالفن بوصفه الذاكرة الحية للحضارات. ومن هنا تكتسب مكانتها بوصفها وثيقة تشكيلية رفيعة، يمكن أن تُعد مرجعاً بصرياً ونقدياً في دراسة تجربة فيصل لعيبي، وفي فهم العلاقة العميقة بين الهوية العراقية والحداثة التشكيلية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن