سجن الجهل المقدس

حسان أيو
2026 / 7 / 8

منذ أن عرف الإنسان نفسه، وهو يعيش بين التعاون والصراع. تتغير الوجوه، وتتبدل الرايات، وتتعاقب الإمبراطوريات والدول، لكن الانقسامات لا تغادر المشهد. وكأن البشرية، كلما ظنت أنها تجاوزت خلافًا، صنعت خلافًا جديدًا بأدوات أكثر تطورًا.
قد يعتقد البعض أن الثورة العلمية والتكنولوجية كانت كفيلة بتقليص مساحة الجهل والتعصب، لكن الواقع يروي قصة مختلفة. لقد تطورت وسائل الاتصال، لا ثقافة التواصل. تضاعفت مصادر المعرفة، لكن ذلك لم يضمن ازدياد الحكمة. بل إن التكنولوجيا، في كثير من الأحيان، منحت التعصب سرعة انتشار لم يعرفها التاريخ من قبل، وأصبح الإنسان قادرًا على أن يحاصر نفسه داخل دائرة من الأفكار التي تشبهه، فلا يسمع إلا صدى صوته، ولا يرى إلا ما يؤكد قناعاته.
المشكلة ليست في الاختلاف، فالاختلاف هو الشرط الأول لولادة الأفكار، وهو ما يدفع الحضارات إلى التقدم. إنما تبدأ الأزمة عندما يتحول الاختلاف إلى هوية مغلقة، والرأي إلى يقين لا يقبل المراجعة، والانتماء إلى مقياس للحقيقة. عندها لا يعود الإنسان يبحث عن المعرفة، بل يبحث عما يطمئن قناعاته ويمنحه شعورًا بالتفوق على الآخرين.
وأخطر ما يواجه أي مجتمع ليس الجهل وحده، بل ما يمكن تسميته بـ"الجهل المقدس". إنه الجهل الذي يرتدي ثوب اليقين، ويمنح نفسه حصانة ضد النقد. لا يسمح بالسؤال، لأن السؤال يُعد تهديدًا. ولا يرحب بالمراجعة، لأنها تُفهم على أنها ضعف. وهكذا تتحول الأفكار البشرية إلى مقدسات، ويصبح الاختلاف معها خروجًا عن الجماعة، لا مجرد اختلاف في الرأي.
وليس المقصود بالقداسة هنا الدين أو الإيمان، فالإيمان الصادق لا يخشى العقل ولا يهرب من السؤال. المقصود هو تقديس التفسيرات البشرية، والأيديولوجيات، والهويات، والزعامات، حتى تصبح فوق النقد. وعندما تُرفع الأفكار إلى هذه المنزلة، يتوقف العقل عن أداء وظيفته، ويبدأ الإنسان بالدفاع عن معتقداته أكثر مما يبحث عن حقيقتها.
إن المأساة ليست أن نختلف، بل أن نفقد القدرة على الإصغاء. وليست في أن نتمسك بمبادئنا، بل في أن نعتقد أننا نمتلك الحقيقة كاملة. فالحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد أو جماعة أو أمة، والتاريخ مليء بأفكار كانت تبدو يقينًا مطلقًا، ثم أثبت الزمن أنها كانت مجرد أوهام.
ربما لن تختفي الصراعات من حياة البشر، لأنها جزء من طبيعة الإنسان وتعقيد المجتمعات. لكن يمكن أن تتغير طريقة إدارتها. فالحضارة لا تُقاس بما نملكه من تقنيات، بل بقدرتنا على تحويل الاختلاف من سبب للعداء إلى فرصة للفهم، ومن وقود للصراع إلى مصدر للإبداع.
إن الإنسان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشاشات بقدر حاجته إلى مزيد من الوعي، ولا إلى معلومات أكثر بقدر حاجته إلى شجاعة الاعتراف بأن الحقيقة لا تُولد من الصراخ، بل من الحوار. فربما يكون أعظم إنجاز يمكن أن نحققه في هذا العصر، ليس اختراع آلة جديدة، بل تحرير عقولنا من السجن الذي صنعناه بأيدينا... سجن الجهل المقدس.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن