ما بين القلق والندم ..

حنان بديع
2026 / 7 / 8

فقدان بعض الحماس يجعل النفس أقل انشغالاً بالحاضر، وعندما يضعف ارتباطنا بالحاضر تبدأ الذاكرة بفتح الأدراج القديمة. فجأة تعود مواقف من سنوات بعيدة، كلمات قيلت لنا، فرص ضاعت، أخطاء نندم عليها، أشخاص رحلوا أو ابتعدوا. وكأن الماضي يطالبنا بالالتفات إليه.
لكن هناك فرق مهم بين نوعين من الذكريات، ذكريات تأتي كحنين إلى مراحل جميلة مرت علينا، وذكريات تطاردنا لأنها تحمل أسئلة لم نغلقها بعد: "ماذا لو فعلت كذا؟"، "لماذا حدث ذلك؟"، "هل كان يمكن أن أعيش حياة مختلفة؟"
الأكثر مرارة أن نحمل مع مثل هذه الأسئلة خوفنا من المستقبل..
أحياناً يكون خوفنا من المستقبل مرتبطاً بالماضي أكثر مما نظن. فإذا حملنا معنا خيبات قديمة أو ندماً لم نتصالح معه، يبدأ العقل بإسقاطها على الغد: "إذا تألمت سابقاً فقد أتألم مجدداً"، "إذا خسرت شيئاً فقد أخسره مرة أخرى".
أسئلة يمر بها كثير من الناس بعد منتصف العمر. لكنها ليست دائماً علامة على الاكتئاب أو على فقدان المعنى، القلق والندم شعور مؤلم، لأن الندم يحمل مفارقة قاسية: نحن نحاكم أنفسنا اليوم بعقل وخبرة لم يكونا متاحين لنا بالأمس.
عندما تنظر إلى قرار اتخذته قبل عشرين أو ثلاثين عاماً، فأنت لا تنظر إليه بعيني الشخص الذي كنته آنذاك، بل بعيني إنسان عاش وجرب وتعلم ونضج. ولذلك يبدو الخطأ واضحاً الآن، بينما لم يكن واضحاً بالقدر نفسه وقت حدوثه.
تخيل لو التقيت بالنسخة الأصغر منك سناً، تلك التي ارتكبت الأخطاء التي تندم عليها. هل كنت ستعاملها بقسوة؟ أم كنت سترى إنسان يحاول أن يفهم الحياة بالإمكانات المحدودة التي كانت لديه آنذاك؟
في كثير من الأحيان لا يكون الندم على الخطأ نفسه، بل على الثمن الذي دفعناه بسببه. لكن الحقيقة أن معظم البشر لم يصلوا إلى الحكمة إلا عبر أخطاء يتمنون لو لم يرتكبوها.
يقول الفيلسوف سورين كيركغارد إن الحياة تُفهم إلى الخلف، لكنها تُعاش إلى الأمام. وهذه واحدة من أصعب حقائق الوجود الإنساني. نفهم متأخرين، لكن لا نستطيع العودة لتعديل ما حدث.
كثيرون يكتشفون بعد سنوات أن جزءاً من حزنهم ليس على الماضي نفسه، بل على "الحياة البديلة" التي يتخيلون أنهم كانوا سيعيشونها لو اتخذوا قرارات مختلفة. لكن هذه الحياة البديلة تبقى في الخيال دائماً؛ نرى فيها المكاسب فقط، ولا نرى المشكلات والخسائر التي كانت ستأتي معها.
الحقيقة أننا لو كنا تملك الخبرة الحالية في ذلك الوقت، لما ارتكبنا تلك الأخطاء أصلاً. والخبرة التي نمتلكها اليوم هي نفسها ثمرة تلك التجارب التي تؤلمنا. طبعا هذا لا يجعل الأخطاء مقبولة وجيده، لكنه يفسر لماذا حدثت.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن