|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

الشهبي أحمد
2026 / 7 / 8
حين انتهى الشوط الأخير من مباراة مصر والأرجنتين، وتُطوى الصفحة رياضيًا بخسارة لم تكن مفاجئة لكثيرين ممن تابعوا المشوار، بدأ فصل آخر لا علاقة له بكرة القدم على الإطلاق. لم يمرّ وقت طويل حتى امتلأت بعض الصفحات والحسابات بخطاب غاضب، لكنه غضب موجّه إلى وجهة غريبة: لا إلى أداء اللاعبين، ولا إلى قرارات الحكم، ولا حتى إلى الخطة التكتيكية التي وُضعت لمواجهة منتخب بحجم الأرجنتين، بل إلى طرف لم يكن أصلًا داخل الملعب. المغرب، بكل بساطة، وجد نفسه متهمًا في قضية لم يكن شاهدًا عليها.
والمثير في الأمر أن هذا النوع من الخطاب لا يظهر لأول مرة، لكنه يتكرر بشكل يدعو للتساؤل. في كل مناسبة رياضية تشتد فيها الحساسية، يصبح المغرب هو الملاذ الجاهز لتفريغ الإحباط. وكأن الهزيمة، مهما كانت أسبابها الفعلية، تحتاج إلى كبش فداء خارجي حتى لا يُعاد النظر في الأسباب الحقيقية داخل الملعب وخارجه. وهذا بالضبط ما يجعل الأمر يستحق التوقف عنده، لأنه لا يتعلق بمباراة عابرة، بل بنمط متكرر من التفكير.
ما حدث هذه المرة لم يكن مجرد تعليقات عفوية من متابعين غاضبين، بل تحوّل إلى حملة منظمة نسبيًا، تبنّتها بعض الصفحات التي وجدت في الحدث الرياضي فرصة لإعادة إنتاج خطاب قديم. فبدل أن يُناقش أداء المنتخب، أو الخيارات التي اتخذها الجهاز الفني، أو حتى القرارات التحكيمية التي أثارت جدلًا فعليًا في المباراة، انزلق النقاش بالكامل نحو اتهام المغرب بـ"التواطؤ" العاطفي مع الخصم، وكأن تشجيع فريق في مباراة كرة قدم بات جريمة تستوجب المحاسبة.
الأغرب من ذلك أن بعض هذه الحسابات لم تكتفِ بالانتقاد الرياضي أو حتى الساخر منه، بل قفزت مباشرة إلى توصيف سياسي جاهز، واستحضرت عبارات مثل "صهاينة العرب"، وكأن هذا الوصف وُلد للتو، عقب صافرة نهاية المباراة مباشرة. وهنا تحديدًا يكمن الخلل الأكبر في هذا الخطاب، لأنه لا يقوم على قراءة تاريخية حقيقية، بل على انتقائية واضحة توظّف التاريخ متى احتاجت إليه، وتتجاهله تمامًا في باقي الأوقات.
فالحقيقة التاريخية، البسيطة والموثقة، تقول إن أول دولة عربية وقّعت اتفاقية سلام رسمية مع إسرائيل لم تكن المغرب، بل كانت مصر، وذلك سنة 1979، أي قبل عقود من أي نقاش حول التطبيع في المنطقة العربية. أما المغرب، فلم يستأنف علاقاته الرسمية إلا سنة 2020، بعد أكثر من أربعين سنة من تلك الخطوة المصرية. هذا التسلسل الزمني ليس رأيًا قابلًا للنقاش، بل واقعة تاريخية يمكن لأي شخص التحقق منها بسهولة. ومع ذلك، حين يتعلق الأمر بتوزيع الاتهامات، يُطوى هذا التاريخ جانبًا، ويُستحضر المغرب وحده كأنه الاستثناء الوحيد في المنطقة، بينما الوقائع تقول عكس ذلك تمامًا.
هذه الانتقائية في التعامل مع التاريخ ليست تفصيلًا بسيطًا، بل هي جوهر المشكلة. فحين يُعاد تدوير خطاب سياسي قديم في سياق رياضي بحت، دون أي محاولة للتحقق من صحته، فإن الهدف الحقيقي لا يكون البحث عن الحقيقة، بل البحث عن عدو جاهز يمتص الغضب الناتج عن الخسارة. والمغرب، في هذه الحالة، لم يُختر لأنه فعل شيئًا، بل لأنه كان الأقرب لتحمّل هذا الدور.
أما الادعاء الآخر الذي رافق هذه الحملة، والقائل بأن "المغاربة شجعوا الأرجنتين"، فهو ادعاء لا يصمد أمام أبسط قواعد المنطق. المغرب، كأي مجتمع، ليس كتلة واحدة متجانسة تفكر بصوت واحد وتشجع بقرار جماعي موحّد. مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من انتشارها الواسع، ليست استفتاءً شعبيًا يمكن الاستناد إليه لإصدار أحكام عامة على شعب بأكمله. والواقع، لمن يريد أن يبحث فعلًا لا أن يفترض، يقول إن عددًا كبيرًا من المغاربة عبّروا عن دعمهم لمصر، قبل المباراة وبعدها، وهو ما توثقه منشورات كثيرة ما تزال متاحة للعيان على مختلف المنصات. في المقابل، اختار بعض المغاربة، كأفراد لا كموقف جماعي، تشجيع الأرجنتين، إما لإعجابهم بأسلوب لعبها، أو تعاطفًا مع نجومها، أو لأسباب رياضية بحتة لا علاقة لها بأي موقف سياسي أو قومي.
وهذا في الحقيقة أمر عادي جدًا في عالم كرة القدم. الجماهير في كل الدول العربية، بل في العالم كله، تشجع أحيانًا فرقًا لا تنتمي إليها، لأسباب فنية أو عاطفية أو حتى مزاجية بحتة. لا أحد يُسائل جمهورًا عربيًا شجّع منتخبًا أوروبيًا في بطولة سابقة، ولا أحد يعتبر ذلك خيانة لهويته. فلماذا يتحول الأمر فجأة إلى قضية حين يتعلق الأمر بالمغرب تحديدًا؟ هذا السؤال وحده يكفي لكشف أن المسألة ليست عن التشجيع في حد ذاته، بل عن رغبة مسبقة في إيجاد ذريعة.
المشكلة الأعمق في كل هذا ليست في تغريدة هنا أو منشور هناك، بل في التحول الخطير الذي يجعل من المنافسة الرياضية أرضية لتصفية حسابات سياسية أو وطنية لا علاقة لها بالملعب أصلًا. الرياضة، بطبيعتها، مساحة للمنافسة الشريفة، تنتهي فصولها بصافرة الحكم النهائية، وتُطوى غالبًا بمصافحة بين الفريقين مهما كانت النتيجة. لكن حملات التخوين والاتهامات المتبادلة لا تنتهي بهذه السهولة، لأنها تترك في العلاقات بين الشعوب أثرًا أعمق بكثير من أي نتيجة مباراة، مهما كانت مؤلمة.
وهنا يجب أن يُقال بوضوح: المغرب لا يحتاج إلى أن يبرر لأحد من شجّع في مباراة لم يكن طرفًا فيها أصلًا. فهذا حق طبيعي لأي فرد، في أي بلد، أن يشجع من يشاء دون أن يخضع لمحاسبة جماعية. وبالمثل، لا يمكن اختزال أي شعب، سواء كان مصريًا أو مغربيًا أو غيرهما، في منشورات متفرقة لبعض مستخدمي مواقع التواصل، الذين لا يمثلون بالضرورة الرأي العام، ولا يعكسون بالضرورة مشاعر الأغلبية الصامتة التي لا تجد وقتًا ولا رغبة في خوض هذه المعارك الافتراضية.
ما يحتاجه الفضاء العربي اليوم ليس مزيدًا من الشحن العاطفي، ولا مزيدًا من تبادل الاتهامات كلما خسر منتخب عربي مباراة مهمة. المطلوب هو قدر أكبر من الإنصاف في التعامل مع الأحداث، وقدر أكبر من احترام الوقائع التاريخية قبل إطلاق الأحكام الجاهزة. فالتاريخ لا يُستدعى بانتقائية لخدمة موقف عاطفي آني، والرياضة لا يجب أن تتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج خطابات سياسية عفا عليها الزمن. وحين تُدرك الشعوب العربية أن خسارة مباراة لا تستدعي البحث عن عدو، بل مراجعة هادئة لما جرى فعلًا، عندها فقط يمكن الحديث عن نضج رياضي حقيقي يليق بحجم هذه الشعوب وتاريخها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |