قراءة حول موقف السودان تجاه قرار مجلس حقوق الإنسان

سعد محمد عبدالله
2026 / 7 / 8

إن الموقف الذي عبّر عنه مندوب السودان، السفير حسن حامد، يعكس محاولةً للموازنة بين الترحيب بما ورد في قرار مجلس حقوق الإنسان من بنود تتوافق مع المصالح الوطنية، وبين التحفظ على البنود التي ترى الحكومة أنها تتعارض مع سيادتها أو مع رؤيتها لطبيعة الصراع الدائر، ومن حيث المبدأ، فإن أي قرار دولي يرفض تقسيم السودان، ويؤكد وحدة أراضيه، ويدين الإنتهاكات بحق المدنيين، يمثل خطوةً إيجابيةً تستحق الدعم؛ لأن الحفاظ على وحدة الدولة وحماية المواطنين ينبغي أن يكونا محل إجماع وطني ودولي، وفي المقابل، فإن إبداء التحفظات على بعض الفقرات لا يعني رفض القرار بأكمله، بل يؤكد حق الدولة في تسجيل موقفها القانوني والسياسي حياله بما يحفظ مصالحها، خاصةً في ظل تعقيدات الحرب وتداخل الأبعاد الإنسانية والسياسية والقانونية.

فيما يتعلق بمسألة التدخل الخارجي الضار في شؤون السودان، فإن الحديث عنها ينبغي أن يكون قائمًا على الأدلة المتوفرة لدى حكومة السودان، والآليات القانونية المعتمدة لدى مجلس حقوق الإنسان؛ لأن معالجة هذا الملف الخطير تتطلب وضوحًا في تحديد المسؤوليات، وعدم الإكتفاء بصياغات عامة قد تضعف من أثر القرارات الدولية؛ فإذا كانت هناك تقارير أممية تشير إلى إنتهاكات أو خروقات من أي طرف خارجي، فإن الواجب هو التعامل معها وفق الأطر القانونية الدولية بما يضمن المساءلة والشفافية، بعيدًا عن الإنتقائية أو إزدواجية المعايير؛ كما أن إنهاء أي دعم خارجي لمليشيا الدعم السريع يظل مطلبًا أساسيًا لتهيئة الظروف المناسبة للوصول إلى سلام دائم يحفظ أرواح السودانيين ويعيد الإستقرار إلى البلاد.

أما فيما يخص لجنة تقصي الحقائق، فإن إستمرار الجدل حول ولايتها وإختصاصاتها يعكس حالةً من إنعدام الثقة بين الحكومة وبعض المؤسسات الدولية، وهو أمرُ مفهوم إذا نظرنا إلى القضية بعينٍ قادرة على رؤية ما وراء الأزمة السياسية والأمنية القائمة، وما يراه كثيرون من مؤامرات تستهدف تفكيك الدولة وتدميرها، ومع ذلك، فمن المهم أن تكون أي آلية للتحقيق مستقلةً ومهنية، وتلتزم بالحياد الكامل حتى تحظى بالقبول اللازم؛ كما يجب عليها أن تنظر إلى الإنتهاكات في السودان وفق معايير واحدة، دون مساواةٍ شكلية بين الدولة والجماعات المسلحة إذا إختلفت المسؤوليات القانونية والسياسية، وفي الوقت نفسه، فإن حماية حقوق الإنسان لا تتحقق فقط عبر إصدار التقارير أو إطلاق التحذيرات، وإنما من خلال ضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتأمين المدنيين، ودعم جهود الدولة في السير نحو العدالة والمساءلة بما يحقق الإنصاف للضحايا ويمنع تكرار الإنتهاكات بحقهم.

يبقى الهدف الأسمى هو العمل على إنهاء معاناة الشعب السوداني، الذي دفع ثمنًا باهظًا في هذه الحرب، سواء بالنزوح واللجوء، أو فقدان الأرواح، أو تدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية، ولذلك، فإن مسؤولية حماية المدنيين تقع على عاتق جميع الأطراف، ويجب وضع هذه القضايا في صدارة الإهتمام، لا التحدث عنها في غرفٍ مغلقة أو تغليفها بصيغة التورية السياسية؛ كما أن المجتمعين الإقليمي والدولي مطالبان اليوم بدعم الحلول التي تحفظ وحدة السودان وسيادته، وتساعد على إستعادة الأمن والإستقرار، دون فرض أجندات سياسية تزيد من تعقيد الأزمة وتطيل أمدها؛ فالسودان بحاجة إلى حوار داخلي يقوده نحو توافق وطني حقيقي، وإلى تعاون دولي مسؤول يقوم على قواعد إحترام القانون الدولي والوقوف إلى جانب الشعب السوداني في محنته، حتى يتمكن من تجاوز هذه المرحلة الصعبة وبناء مستقبل يسوده السلام والعدالة والإستقرار.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن