|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 7 / 8
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
8 تموز يوليو 2026
دراسة تحليلية في رؤية جون ميرشايمر لمستقبل النظام الأوروبي
1) نهاية الوهم الأوروبي وبداية زمن القوة
في محاضرة ألقاها في البرلمان الأوروبي ببروكسل بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قدّم أستاذ العلاقات الدولية البروفيسور الأميركي جون ميرشايمر قراءة متشائمة لمستقبل أوروبا، تنطلق من فكرة مركزية: أن القارة الأوروبية تدخل مرحلة ما بعد الإستقرار الذي عرفته منذ نهاية الحرب الباردة.
ينطلق ميرشايمر من نقد مباشر لفكرة “نهاية التاريخ”، معتبرًا أن الإعتقاد بأن الديمقراطية الليبرالية ستقود إلى سلام دائم كان وهماً تاريخياً، وأن ما بدا إستقرارًا بين 1992 و2017 لم يكن نتيجة التحول الديمقراطي بقدر ما كان نتيجة هيمنة أمريكية أحادية. “الولايات المتحدة كانت القوة المهدئة الأساسية في أوروبا”، يلخص ميرشايمر منطقه.
ففي نظره، لم يكن الإتحاد الأوروبي هو الضامن الحقيقي للإستقرار، بل حلف شمال الأطلسي بقيادة واشنطن، الذي منع عودة التنافس العسكري داخل أوروبا.
لكن هذا الإستقرار، كما يقول، كان مرتبطًا بنظام دولي إستثنائي: الأحادية القطبية الأمريكية. ومع تراجع هذه المرحلة وصعود الصين وعودة روسيا كقوة فاعلة، دخل العالم مرحلة التعددية القطبية، ما يعني عمليًا تراجع قدرة واشنطن على لعب دور “الضامن الأمني العالمي”.
ويضيف عاملًا ثالثًا أقل تداولًا: إلتزامات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خصوصًا تجاه إسرائيل، والتي تستهلك جزءًا مهمًا من مواردها الإستراتيجية، ما يعزز إتجاهها نحو تقليص إنخراطها العسكري في أوروبا.
النتيجة، بحسب ميرشايمر، هي أن أوروبا تتجه تدريجيًا نحو فقدان “المظلة الأمنية” التي سمحت بإستقرارها لعقود.
2) أوكرانيا بين التوسع الغربي والمنطق الأمني الروسي
يرفض ميرشايمر الرواية الغربية التي تعتبر أن حرب أوكرانيا نتيجة مشروع توسعي روسي. ويؤكد أن روسيا لم تكن تسعى لإحتلال أوكرانيا بالكامل، بل لمنع تحولها إلى قاعدة عسكرية غربية على حدودها.
“روسيا بدأت الحرب، لكن الغرب ساهم في خلق شروطها”، كما يطرح فكرته الأساسية.
في هذا السياق، يرى أن توسع الناتو شرقًا هو العامل البنيوي الحاسم في تفجير الأزمة، لأن روسيا تعتبره تهديدًا وجوديًا، تمامًا كما تعتبر الولايات المتحدة أي وجود عسكري لقوة كبرى في نصف الكرة الغربي تهديدًا مباشرًا في إطار “عقيدة مونرو”.
ويستشهد بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 كمثال على كيفية تصرف القوى الكبرى عندما تُهدد في محيطها الحيوي.
أما بشأن نوايا روسيا، فيؤكد أن لا دليل على وجود خطة لإحتلال كامل أوكرانيا، مشيرًا إلى حجم القوات الروسية المحدود عند بدء الحرب، وإلى إنخراط موسكو السريع في مفاوضات سلام بعد الغزو، خصوصًا في بيلاروس وإسطنبول.
كما يلفت إلى أن روسيا طرحت قبل الحرب مطالب دبلوماسية محددة في ديسمبر 2021، تركزت على منع توسع الناتو، ما يدل — في رأيه — على أن الهدف كان سياسيًا وأمنيًا لا إمبراطوريًا.
ويشير إلى أن عدداً من القادة الغربيين، مثل ويليام بيرنز وأنغيلا ميركل، حذروا مسبقًا من أن توسع الناتو نحو أوكرانيا يمثل خطًا أحمر خطيرًا.
3) حرب إستنزاف تميل لصالح روسيا
بعد فشل المفاوضات الأولى، تحولت الحرب إلى صراع إستنزاف طويل.
يرى ميرشايمر أن هذا النوع من الحروب يحسمه عاملان: الكتلة البشرية والقدرة الصناعية.
“في حروب الإستنزاف، ينتصر من يستطيع النزيف لفترة أطول”، كما يقول.
من هذه الزاوية، يرى أن روسيا تمتلك أفضلية واضحة: عدد سكان أكبر، قدرة تعبئة أعلى، وقاعدة صناعية عسكرية قادرة على إنتاج الذخائر بكثافة، في حين تعتمد أوكرانيا بشكل شبه كامل على الدعم الغربي.
كما يشير إلى تفوق روسي في المدفعية والصواريخ والطيران التكتيكي، مقابل محدودية القدرة الإنتاجية الغربية في حرب طويلة.
أما أوكرانيا، فتعاني من نقص بشري مزمن وهجرة واسعة، إضافة إلى إعتمادها على الإمدادات الخارجية التي لا تستطيع مجاراة الإنتاج الروسي المستمر.
وبناء على ذلك، يستنتج أن ميزان الحرب يميل تدريجيًا لصالح موسكو، لكنه لا يتوقع إنهيارًا كاملًا لأوكرانيا، بل دولة أوكرانية منكمشة مقابل توسع روسي في الشرق والجنوب، في إطار “تسوية مفروضة ميدانيًا”.
ويصف هذا السيناريو بأنه “إنتصار غير حاسم” يترك المنطقة في حالة صراع مجمّد طويل الأمد.
4) أوروبا بعد الحرب… قارة بلا ضمانات أمنية
في الجزء الأخير، ينتقل ميرشايمر إلى مستقبل أوروبا.
يرى أن الحرب لن تنتهي بإعادة الإستقرار، بل بإعادة إنتاج التوتر.
العلاقة بين أوروبا وروسيا، في نظره، ستبقى عدائية، حيث ستسعى أوروبا لإضعاف روسيا، بينما تعمل موسكو على تفكيك التماسك الغربي.
كما يشير إلى وجود عدة بؤر توتر مرشحة للإنفجار: القطب الشمالي، بحر البلطيق، بيلاروس، مولدوفا، والبحر الأسود، ما يجعل أوروبا منطقة “إحتكاك دائم” لا إستقرار دائم.
على مستوى الناتو، يعتبر أن الحرب كشفت حدود القوة الغربية، ما سيؤدي إلى نقاش داخلي حول مستقبل الحلف، وربما إلى إضعافه تدريجيًا.
إقتصاديًا، يرى أن أزمة الطاقة التي سببتها الحرب ستترك أثرًا طويل الأمد على إقتصاد أوروبا، وتضعف قدرة الإتحاد الأوروبي على النمو والتكامل.
أما عبر الأطلسي، فيتوقع تصاعد التوتر بين واشنطن وبروكسل، خصوصًا مع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، حيث ستتهم كل جهة الأخرى بالفشل في إدارة الحرب.
وفي الخلفية، يستمر التحول العالمي نحو التعددية القطبية، مع صعود الصين، وتراجع القدرة الأمريكية على لعب دور “الضامن الأمني لأوروبا”.
خاتمة: لحظة إنتقال تاريخي
يخلص ميرشايمر إلى أن حرب أوكرانيا ليست حدثًا عابرًا، بل نقطة تحول في النظام الدولي.
فهي، في قراءته، أنهت مرحلة الإستقرار الأوروبي التي قامت على الهيمنة الأمريكية، وأعادت القارة إلى منطق التوازنات الصلبة والصراع المفتوح.
“لو لم يتم دفع أوكرانيا نحو الناتو، لكان يمكن تجنب الحرب”، يختتم أطروحته المثيرة للجدل.
لكن الأهم من الجدل حول الماضي، هو ما يراه ميرشايمر مستقبلًا: أوروبا أقل إستقرارًا، أكثر عسكرية، وأكثر إعتمادًا على توازنات قوة غير مستقرة، في عالم لم يعد فيه مركز واحد قادرًا على ضبط النظام الدولي.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |