|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 7 / 7
حقي في الخطأ
من حقي أن أخطىء حتى أتعلم... المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي
يتعلم الطفل المشي على خطواتٍ متعثرة. يسقط، ينهض، يسقط مجدداً. كل سقطة ليست فشلاً، بل درساً في التوازن، وخريطةً جديدة للجاذبية، وقبلةً وداعاً للخوف. ثم يكبر هذا الطفل، ويدخل المدرسة، فيُفاجأ بأن القلم الأحمر يتربص به، وأن الخطأ لم يعد محطةً في رحلة التعلم، بل وصمةً تلاحقه، وجريمةً تستوجب العقاب. نسرق من الأطفال حقهم في الخطأ، ثم نتعجب لماذا يكذبون. نطارد الكمال في واجباتهم المدرسية، وننسى أن التعلّم الحقيقي يبدأ حيث ينتهي الخوف من السقوط.
هكذا نحن، في ثقافتنا العربية، نصادر الخطأ من الإنسان منذ بواكير عمره. الخطأ الذي يحرك العقل ويمنحه القدرة على التفكير، الخطأ الذي يعتبر المحاولة الحتمية للوصول إلى الصواب. في مجتمعاتنا، لا نسمح للطفل أن يخطئ، فلا مجال لأن يقول إنه أخطأ، ولا مساحة لتفهمنا لخطئه. نحن نربي أبناءنا على النفاق السلوكي، لأننا لم نمنحهم الحق في الاعتراف بالخطأ.
أيتها الآلات الذكية، أنتِ تتعلّمين من أخطائكِ أفضل منا. صحيحٌ أن الذكاء الاصطناعي يتفوق على البشر في مجالات كثيرة، لكنه ليس معصوماً من الخطأ. في عام 2016، هزم AlphaGo بطل العالم لي سيدول في لعبة الجو، ليس لأنه كان يحفظ المزيد من النظريات، بل لأنه كان يتعلّم من أخطائه. نعم، الآلة تتعلّم من التجربة والخطأ، تحاكي الطريقة التي يتعلم بها الطفل، تُغذّى بكميات هائلة من البيانات، وتعدّل أوزانها العصبية لتقلل الأخطاء وتحسّن أداءها. بل إن الأبحاث الحديثة تُظهر أن النماذج اللغوية الكبيرة يمكنها الاستمرار في التطور من خلال تلخيص أخطائها والتعلم منها. الآلة تفهم ما نسينا نحن: أن التقدم يأتي من التفاعل مع الأخطاء، وليس من تجنبها.
يا للمفارقة! نحن البشر، الذين اخترعنا الذكاء الاصطناعي على صورتنا، ننسى أننا تعلّمنا في البداية من التجربة والخطأ. نصمم آلات تتعلّم من أخطائها، بينما نصر على تعليم أبنائنا بطريقة تعاقب الخطأ وتجرمه. نبني أنظمة ذكاء اصطناعي تعيد صياغة معرفتها كلما أخطأت، بينما نبني مناهج تعليمية تُخرج المفكرين وتُنتج "مَن يجيبون". نطارد الكفاءة والسرعة وكأن الهدف هو أن نتفوق على الآلات في سباقٍ خاسر.
لكن الحقيقة الأعمق، أيها القارئ، هي أننا في عصر تتوفر فيه المعرفة للجميع بضغطة زر، نواجه سؤالاً وجودياً: ما الذي يبقى لنا نحن البشر؟
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل، ويتنبأ، ويتحسّن من خلال التكرار. لكنه لا يطور الشخصية، ولا يتعلم الشجاعة من خلال الفشل، ولا يبني الحكم من خلال العمل تحت ضغط عدم اليقين. هذه المزايا إنسانية بحتة، وهي مكتسبة. تُكتسب عندما نمنح أنفسنا الحق في الخطأ. تُكتسب عندما نسمح لأطفالنا بالسقوط كي يتعلموا النهوض. تُكتسب عندما نعترف بأن كل نص نكتبه ليس نهائياً، بل مسوّدة لطبعة لاحقة.
يقول عبدالجبار الرفاعي: "الإنسانُ كائنٌ يصيب ويخطيء، الخطأ طريقُ التطور والتكامل. كلُّ مَنْ يفكر يخطئ، مَنْ لا يفكر لا يخطئ". ويضيف: "مَنْ يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ يمتلكُ القدرةَ على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير، الخوفُ من التغيير خوفٌ من التطور".
نعم، من حقي أن أخطئ. ليس لأن الخطأ غاية، بل لأنه الطريق الوحيد إلى المعرفة الحقيقية. في زمن تصبح فيه المعرفة سلعة، وتُقاس الإنجازات الفكرية برأس المال لا بالعمق، يصبح الحق في الخطأ ثورةً. ثورة ضد ثقافة الكمال الوهمي، ضد التربية التي تصادر الفضول، ضد مجتمع يفضل الصورة النمطية على التجربة الفريدة.
في النهاية، أيها الإنسان، أنت لست آلة. لستَ مضطراً لأن تكون مثالياً. لستَ ملزماً بأن تعرف كل شيء. ليس عيباً أن تسقط، أن تتردد، أن تخفق. العيب الحقيقي هو أن تخاف من المحاولة، أن تختار الصمت خوفاً من الخطأ، أن تكتفي بالمعرفة الجاهزة التي تقدمها لك الآلات ولا تخوض غمار التجربة بنفسك.
من حقي أن أخطئ. ومن حقي أن أتعلم من خطئي. ومن حقي أن أعلم أطفالي أن السقوط ليس نهاية الطريق، بل بدايته. لأن المعرفة الحقيقية، في عصر الذكاء الاصطناعي أو قبله، لا تُمنح، بل تُكتسب. ولا تُكتسب إلا بثمن: ثمن التجربة، ثمن المخاطرة، ثمن الوقوع في الخطأ ثم النهوض من جديد.
المراجع
• الرفاعي، عبدالجبار. "الحق في الخطأ ضرورة تربوية". الموقع الرسمي.
• الفهدي، د. صالح. "التعاطي مع حق الخطأ". جريدة الرؤية، 12 سبتمبر 2020.
• "هل يرتكب الذكاء الاصطناعي الأخطاء؟". DW، 27 ديسمبر 2024.
• Tatishev, Yerkin. "What Kendo and Nomads Can Teach Us About Learning in the AI Era". CIRSD, 15 May 2026.
• قيس، جمال مراد. "كيف يتعلم الذكاء الاصطناعي؟". منظمة المجتمع العلمي العربي (ARSCO)، 14 أبريل 2025.
• "في عصر الذكاء الاصطناعي: خطورة السؤال الخطأ". إيلاف، 20 يونيو 2026.
• "عندما يهدد الذكاء الاصطناعي المعرفة". Goethe-Institut.
• "CEM: A Data-Efficient Method for Large Language Models to Continue Evolving From Mistakes". arXiv, 2024.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |