كولومبيا بعد الإنتخابات: هل تعود أمريكا اللاتينية إلى -الفناء الخلفي- لواشنطن؟

زياد الزبيدي
2026 / 7 / 7

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

من نتائج الإنتخابات إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للقارة

يذهب الباحث الروسي ليونيد سافين، في مقاله المنشور بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2026، إلى أن الإنتخابات الرئاسية الكولومبية لا ينبغي النظر إليها بإعتبارها مجرد إنتقال للسلطة بين مرشحين متنافسين، بل بإعتبارها محطة قد تؤشر إلى تغير أوسع في التوازنات السياسية داخل أمريكا اللاتينية.
فبعد الجولة الثانية من الإنتخابات التي جرت في 21 يونيو/حزيران 2026، أعلنت النتائج الرسمية فوز المرشح المحافظ أبيلاردو دي لا إسبرييلا بنسبة 49.66% مقابل 48.7% لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا كاسترو، وهو فارق ضئيل أثار جدلاً سياسياً واسعاً.
ويشير سافين إلى أن الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو رفض الإعتراف بالنتائج، معتبراً أن العملية الإنتخابية شابتها مخالفات، بينما أعلن سيبيدا لاحقاً قبوله بالنتيجة، الأمر الذي خفف من إحتمالات إنزلاق البلاد إلى أزمة دستورية مفتوحة.
ويقتبس الكاتب من المشهد الإنتخابي ليخلص إلى أن: "الفارق الضئيل بين المرشحين يكشف أن الإنقسام داخل المجتمع الكولومبي لا يزال قائماً، وأن الصراع الحقيقي لم يُحسم بإنتهاء التصويت."
حملة إنتخابية مدعومة إقليمياً
ويلفت الكاتب إلى أن الرئيس المنتخب حظي، منذ الساعات الأولى لإعلان النتائج، بتهاني عدد من قادة اليمين في أمريكا اللاتينية، وفي مقدمتهم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي والرئيس الإكوادوري دانييل نوبوا.
كما يرى أن حملة دي لا إسبرييلا إعتمدت بصورة كبيرة على وسائل التواصل الإجتماعي، وأن خطابها السياسي إستلهم بدرجة واضحة تجربة رئيس السلفادور نجيب بوكيله في تقديم مكافحة الجريمة بإعتبارها الأولوية المطلقة للدولة.
ويضيف الكاتب أن: "الخطاب الأمني أصبح أحد أكثر الأدوات السياسية فعالية في المنطقة."
لكنه في المقابل يشكك في قدرة أي حكومة كولومبية على تحقيق إختراق سريع في هذا الملف، بالنظر إلى تعقيد المشهد الأمني الداخلي.

معضلة العنف الكولومبي

ويخصص سافين مساحة واسعة لتاريخ العنف السياسي في كولومبيا، معتبراً أن المشكلة تتجاوز بكثير النشاط الإجرامي التقليدي.
فبحسب رؤيته، ما تزال البلاد تعاني إرثاً ثقيلاً يمتد من مرحلة "لا فيولينسيا" (La Violencia)، مروراً بالحركات المسلحة اليسارية واليمينية، ووصولاً إلى كارتلات المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة.
ويذكّر الكاتب كذلك بأن الولايات المتحدة إستثمرت طوال العقود الماضية مليارات الدولارات في إطار "خطة كولومبيا"، إلا أن هذه الإستراتيجية، بحسب تقييمه، لم تنجح في القضاء على جذور العنف.
ويكتب: "بدلاً من إنهاء دوامة العنف، أنتجت السنوات الماضية أشكالاً جديدة من الصراع والتوتر."
ومن هذا المنطلق، يتوقع أن يؤدي وصول حكومة يمينية جديدة متقاربة مع واشنطن إلى زيادة إحتمالات المواجهة مع الجماعات المسلحة، وإلى تجدد نشاط حركات التمرد في بعض مناطق البلاد.

عودة عقيدة مونرو بصيغة جديدة

أحد أهم محاور المقال يتمثل في قراءة الكاتب للإستراتيجية الأمريكية الأوسع تجاه أمريكا اللاتينية.
فهو يرى أن واشنطن تعمل اليوم على إعادة إحياء مضمون عقيدة مونرو ولكن بأدوات مختلفة تناسب البيئة الدولية الحالية.
وبحسب تحليله، فإن الإدارة الأمريكية تسعى إلى بناء شبكة واسعة من الحكومات المتحالفة معها سياسياً وإقتصادياً وأمنياً، بما يسمح بإعادة تثبيت نفوذها التقليدي في نصف الكرة الغربي.
ويكتب: "البيت الأبيض يحاول إنشاء تحالف موثوق من الأنظمة الصديقة في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية."
وفي هذا السياق، يربط الكاتب بين التطورات في كولومبيا وبين التحولات السياسية في دول أخرى من المنطقة، معتبراً أن الخريطة الإقليمية تميل تدريجياً لمصلحة القوى المحافظة القريبة من الولايات المتحدة.

الصين... المنافس الذي تحاول واشنطن إحتواءه

ولا يقتصر التحليل على التنافس الأمريكي الداخلي في القارة، بل يمتد إلى الصراع الدولي مع الصين.
إذ يرى سافين أن تنامي الإستثمارات الصينية في أمريكا اللاتينية سيجعل المنطقة إحدى ساحات المنافسة الرئيسية بين القوتين.
ويقول إن واشنطن قد تستخدم إعتبارات الأمن القومي ذريعة للحد من توسع بكين الإقتصادي، مضيفاً: "من المتوقع أن تُبذل محاولات لعرقلة أي نشاط صيني في المنطقة تحت مبررات أمنية مختلفة."
غير أن الكاتب يلفت أيضاً إلى أن التصعيد المباشر ضد الصين قد يضر بالمصالح الأمريكية نفسها، ولذلك يرجح أن تعتمد الولايات المتحدة بصورة أكبر على أدوات التمويل والإستثمار والقروض، بما يضمن الحفاظ على النفود الإقتصادي دون اللجوء إلى المواجهة المباشرة.

التكامل الإقليمي... من مشروع لاتيني إلى أداة نفوذ؟

ومن أكثر الأفكار إثارة في المقال طرح الكاتب لإحتمال أن تتحول مشاريع التكامل الإقليمي نفسها إلى أدوات تخدم الإستراتيجية الأمريكية.
فهو يشير إلى أن أمريكا اللاتينية شهدت خلال العقود الماضية مبادرات متعددة للتكامل الإقتصادي والسياسي، بعضها جاء أصلاً بمبادرات أمريكية مثل مشروع منطقة التجارة الحرة للأمريكيتين (ALCA).
وإنطلاقاً من ذلك، يرى أن واشنطن قد تجد مصلحة في دعم صيغ جديدة للوحدة الإقليمية طالما أنها تبقى ضمن الإطار الإستراتيجي الأمريكي.
ويضرب مثالاً بإحياء فكرة "كولومبيا الكبرى" التي سبق أن طرحها كل من الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، لكنه يذهب إلى أن مثل هذه المشاريع قد تُعاد صياغتها بما ينسجم مع المصالح الأمريكية إذا توفرت الظروف السياسية المناسبة.
ويختصر هذه الفكرة بقوله: "بدلاً من مقاومة النزعات الوحدوية، قد تعمل واشنطن على قيادتها وإعادة تشكيلها."
من "فرّق تسد" إلى "قد الثورة"
ويعتبر سافين أن السياسة الأمريكية قد تكون بصدد الإنتقال من النموذج التقليدي القائم على تفتيت مراكز القوة، إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على إحتواء المشاريع الإقليمية وإدارتها من الداخل.
ويعبّر عن ذلك بإستحضار المقولة الشهيرة: "إذا تعذر إيقاف الثورة، فمن الأفضل قيادتها."
ويرى أن هذا المنطق قد يسمح للولايات المتحدة بالإحتفاظ بنفوذها حتى في ظل قيام تكتلات إقليمية أكبر، شريطة أن تبقى هذه التكتلات مرتبطة إقتصادياً ومالياً وأمنياً بواشنطن.

هل ما تزال هناك بدائل؟

ورغم هذه القراءة المتشائمة، يختم الكاتب بالإشارة إلى أن أمريكا اللاتينية لا تزال تضم قوى سياسية تؤمن بمشروع تكامل مستقل يستلهم أفكار سيمون بوليفار وخوسيه مارتي وفيديل كاسترو.
إلا أنه يرى أن قدرة هذه القوى على موازنة النفوذ الأمريكي أصبحت أضعف بكثير مما كانت عليه في مراحل سابقة، في ظل ما يصفه بتنامي أدوات الولايات المتحدة وحلفائها داخل المنطقة.

الخلاصة

يقدم ليونيد سافين قراءة جيوسياسية تعتبر أن الإنتخابات الكولومبية ليست حدثاً محلياً معزولاً، بل جزء من إعادة تشكيل ميزان القوى في أمريكا اللاتينية وسط تصاعد المنافسة الدولية بين الولايات المتحدة والصين.
وبذلك تكتمل صورة الدراسة، التي ترى في إنتخابات كولومبيا حلقة ضمن تحولات أوسع تعيد رسم التوازنات السياسية والإقتصادية في أمريكا اللاتينية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس بين القوى الكبرى على مستقبل القارة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن