|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زيد نائل العدوان
2026 / 7 / 5
يُعد كتاب (فويرباخ: جذور الفلسفة الاشتراكية)، الذي ألّفه فريدريك إنجلز عام 1888 من أهم النصوص الفلسفية التي تشرح التطور الفكري الذي قاد إلى نشوء الماركسية؛ إذ لا يقتصر الكتاب على كونه دراسة لفلسفة لودفيغ فويرباخ، بل يمثل أيضاً مراجعة نقدية لمسار الفلسفة الألمانية منذ إيمانويل كانط مروراً بجورج فيلهلم فريدريش هيغل وصولاً إلى فويرباخ، مع بيان الكيفية التي تجاوز بها ماركس وإنجلز أفكار سابقيهم من الفلاسفة.
ويهدف إنجلز إلى توضيح أن الاشتراكية العلمية لم تنشأ بصورة مفاجئة، وإنما كانت نتيجة تطور طويل في الفكر الفلسفي، ولا سيما في الجدل بين المثالية والمادية، ومن هنا اكتسب هذا الكتاب مكانة بارزة في تاريخ الفلسفة الحديثة؛ إذ يربط بين الفكر الفلسفي والنظرية الاجتماعية والسياسية في إطار تاريخي متكامل.
يبدأ إنجلز بتحليل الفلسفة الألمانية الكلاسيكية معتبراً أن هيغل بلغ الذروة في الفكر المثالي من خلال منهجه الجدلي الذي نظر إلى الواقع بوصفه عملية مستمرة من التغير والتطور، ويثني إنجلز على ذكاء هيغل في اكتشافه للطابع الحركي للتاريخ، إلا أنه ينتقده؛ بسبب اعتقاده بأن الفكرة أو العقل المطلق هو الأصل الذي تنبثق عنه المادة والواقع، فبحسب إنجلز، جعل هيغل العالم المادي تابعاً للفكر، في حين أن العلاقة الحقيقية تسير في الاتجاه المعاكس.
بعد ذلك ينتقل إلى لودفيغ فويرباخ، الذي مثّل نقطة تحول مهمة في الفكر الأوروبي عندما رفض المثالية الهيغلية وأعاد الاعتبار للطبيعة والإنسان باعتبارهما أساس الوجود، وقد اشتهر فويرباخ بنقده للمسلمات، إذ رأى أن الإنسان هو الذي ينشأ المسلمات، لا العكس، وبذلك حاول إعادة الإنسان إلى مركز التفكير الفلسفي، معتبراً أن المسلمات المجتمعية تعكس حاجات الإنسان النفسية والاجتماعية أكثر مما تعكس حقيقة موضوعية مستقلة.
ويرى إنجلز أن هذا التحول كان خطوة تقدمية كبيرة، لأنه حرر الفلسفة من كثير من التصورات الميتافيزيقية، إلا أنه لم يكن كافياً لتفسير المجتمع والتاريخ، ففويرباخ في رأي إنجلز بقي ينظر إلى الإنسان بوصفه فرداً مجرداً، ولم يربطه بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيش فيها، كما أن ماديته بقيت مادية تأملية لا تتناول حركة المجتمع ولا تفسر أسباب التغير التاريخي.
ومن هنا يوضح إنجلز أن ماركس وإنجلز تجاوزا فويرباخ عبر تطوير مفهوم جديد للمادية، عُرف لاحقاً بالمادية التاريخية، ففي هذا التصور لا يُفسَّر التاريخ بالأفكار المجردة ولا بالإرادة الفردية، وإنما بالبنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج والصراع بين الطبقات الاجتماعية، فالأفكار السياسية والدينية والقانونية ليست -في المنظور الماركسي- سوى انعكاس للظروف المادية التي يعيشها الناس، وتتغير بتغير هذه الظروف.
ويخصص إنجلز جانباً مهماً من الكتاب لشرح العلاقة بين الجدل الهيغلي والمادية الماركسية، فهو يرى أن ماركس لم يرفض منهج هيغل الجدلي، بل احتفظ به بعد أن "أوقفه على قدميه" بدلاً من بقائه "واقفاً على رأسه"، في إشارة إلى تحويل الجدل من إطار مثالي إلى إطار مادي، فالجدل عند ماركس أصبح وسيلة لفهم حركة الطبيعة والمجتمع والتاريخ من خلال التناقضات الواقعية، وليس من خلال تطور الأفكار وحدها.
كما يناقش إنجلز تطور الفلسفة الأوروبية في القرن التاسع عشر، مبيناً أن التقدم العلمي ولا سيما في علوم الطبيعة؛ أسهم في ترسيخ الاتجاه المادي؛ فقد كشفت الاكتشافات العلمية عن أن العالم يخضع لقوانين طبيعية يمكن تفسيرها دون الحاجة إلى افتراضات ميتافيزيقية، ولذلك؛ أصبحت الفلسفة مطالبة بالانسجام مع نتائج العلوم الحديثة، بدلاً من الاكتفاء بالتأملات المجردة.
ويتناول الكتاب أيضاً مفهوم الحرية من منظور مادي، حيث يرفض إنجلز الفكرة التي ترى الحرية انفصالًا عن قوانين الطبيعة، فالحرية الحقيقية، في رأيه، تتحقق عندما يفهم الإنسان القوانين التي تحكم الطبيعة والمجتمع ويستطيع توظيفها بوعي لتحقيق أهدافه، ومن ثم فإن المعرفة العلمية تصبح شرطاً أساسياً لممارسة الحرية، وليس قيداً عليها.
وتبرز في الكتاب أهمية الربط بين الفلسفة والممارسة العملية، فالفلسفة -بحسب إنجلز- لا ينبغي أن تبقى مجرد تفسير للعالم، وإنما يجب أن تسهم في تغييره، ولهذا السبب أصبحت الماركسية فلسفة مرتبطة بالنشاط الاجتماعي والسياسي، وليست مجرد نظرية معرفية، ويعكس هذا التوجه انتقال الفكر الاشتراكي من مرحلة النقد الفلسفي إلى مرحلة التحليل العلمي للمجتمع الرأسمالي.
وتتجلى القيمة الفكرية للكتاب في أنه يقدم عرضاً مكثفاً لتطور الفكر الأوروبي خلال قرن كامل، ويبين الصلات الفكرية بين كانط وهيغل وفويرباخ وماركس، كما يكشف أن الفلسفات الكبرى لا تظهر بمعزل عن الظروف التاريخية، بل تنشأ استجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية التي يشهدها المجتمع.
إذًا، يمثل كتاب "فويرباخ: جذور الفلسفة الاشتراكية" نصاً محورياً لفهم الخلفية الفلسفية التي قامت عليها الماركسية؛ فقد نجح إنجلز في بيان فضل فويرباخ في إعادة الاعتبار للمادية ونقد الدين، مع توضيح حدود مشروعه الفكري، ثم شرح الكيفية التي طوّر بها ماركس وإنجلز هذا الإرث إلى نظرية أشمل تقوم على المادية التاريخية والجدلية.
وبذلك لا يُعد الكتاب مجرد دراسة لفيلسوف واحد، بل يمثل تفسيراً لمسار الفكر الأوروبي الحديث وانتقاله من المثالية إلى المادية، ومن التأمل الفلسفي إلى التحليل الاجتماعي، ولا تزال أهمية هذا العمل قائمة حتى اليوم؛ لإنه يساعد على فهم جذور الفكر الاشتراكي، ويكشف العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والتاريخ والاقتصاد في تشكيل النظريات السياسية والاجتماعية الحديثة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |