مكانة المستخدم في قوانين حق المؤلف المعاصرة

زيد نائل العدوان
2026 / 7 / 5

شهد قانون حق المؤلف خلال العقود الأخيرة تحولات جوهرية نتيجة الثورة الرقمية؛ إذ أصبح الاهتمام التقليدي موجهاً إلى حماية المؤلف وأصحاب الحقوق الاقتصادية، في حين بقي المستخدم في موقع ثانوي داخل البناء القانوني، ومع انتشار الإنترنت والمنصات الرقمية وتقنيات النسخ الإلكتروني، لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ سلبي للمصنفات، بل أصبح طرفاً فاعلاً يستهلك المحتوى ويعيد إنتاجه ويتفاعل معه بطرق متعددة.
ومن هذا المنطلق، تؤكد الباحثة جولي كوهين في دراستها The Place of the User in Copyright Law أن غياب المستخدم عن النظرية القانونية لحق المؤلف أدى إلى اختلال في توازن النظام القانوني، وأصبح من الضروري إعادة النظر في مكانة المستخدم باعتباره عنصراً أساسياً لتحقيق الغاية التي يسعى إليها حق المؤلف، وهي تعزيز الإبداع والتقدم الثقافي والعلمي.
ترى كوهين أن التشريعات التقليدية لحق المؤلف قامت على أساس حماية المؤلف ومنحه حقوقاً استئثارية على مصنفاته، إلا أنها لم تطور تصوراً واضحاً لدور المستخدم داخل هذا النظام، فعلى الرغم من الاعتراف بأن المستخدم يتلقى المصنفات الفكرية، وأن بعض المستخدمين يتحولون لاحقاً إلى مؤلفين ومبدعين، فإن القانون لم يهتم بدراسة الكيفية التي تؤثر بها البيئة الثقافية والاجتماعية في تشكيل هذا الدور، ولم يحدد الاحتياجات التي تمكن المستخدم من الإسهام في عملية الإبداع المستمرة.
وتنتقد الباحثة النماذج التقليدية التي قدمها الفقه القانوني للمستخدم، فالنموذج الأول هو "المستخدم الاقتصادي" الذي يُنظر إليه باعتباره مستهلكاً يسعى إلى الحصول على أفضل منفعة بأقل تكلفة، وهو تصور يختزل العلاقة بين المستخدم والمصنفات في إطار السوق فقط.
أما النموذج الثاني فهو "المستخدم ما بعد الحداثي" الذي يركز على مقاومة الهيمنة الثقافية وإعادة تفسير المعاني، لكنه يبقى بعيداً عن الواقع العملي للتشريعات؛ بينما يتمثل النموذج الثالث في "المستخدم الرومانسي"؛ الذي يُفترض أنه مبدع دائم يسهم في إنتاج الموسيقى والبرمجيات والمصنفات الجديدة، وهو أيضاً نموذج مثالي لا يعكس سلوك غالبية المستخدمين.
وفي مواجهة هذه التصورات، تقدم كوهين نموذجاً جديداً أطلقت عليه اسم "المستخدم المتموضع"؛ وهو المستخدم الذي تتشكل اهتماماته وسلوكياته وقدراته الإبداعية من خلال البيئة الثقافية والاجتماعية المحيطة به، فالإبداع حسب وجهة نظرها لا ينشأ بصورة منفصلة، وإنما يتطور عبر التفاعل المستمر مع الأعمال الفكرية السابقة، ومع المؤسسات الثقافية والتعليمية، ومع الخبرات اليومية للمستخدم، لذلك؛ فإن نجاح نظام حق المؤلف لا يقاس فقط بمدى قوة حماية المؤلف، وإنما أيضاً بمدى إتاحة المجال أمام المستخدم للمشاركة في الحياة الثقافية والإبداعية بحرية معقولة.
وتطبق الباحثة هذه الفكرة على قضية النسخ الخاص، وهي من أكثر القضايا إثارة للجدل في البيئة الرقمية؛ فقد أدى التطور التقني إلى جعل معظم صور استخدام المصنفات الرقمية تتطلب إنشاء نسخ إلكترونية مؤقتة أو دائمة، الأمر الذي جعل المستخدم معرضاً للمساءلة القانونية حتى عند ممارسته لأنشطة شخصية كانت في السابق تعد استخدامات عادية، وترى كوهين أن النقاش القانوني انصب على مدى مشروعية النسخ من الناحية الاقتصادية، بينما أهمل الأسباب التي تدفع المستخدم إلى النسخ والدور الذي يؤديه هذا النسخ في نشر المعرفة وتداول الثقافة.
كما تشير الدراسة إلى أن الصناعات الثقافية اتجهت إلى استخدام الوسائل القانونية والتقنية لإعادة تشكيل سلوك المستخدمين، ليس فقط من خلال فرض تكاليف مالية على النسخ غير المصرح به، وإنما أيضاً من خلال إضفاء بُعد أخلاقي على هذا السلوك وتصويره باعتباره فعلاً غير مشروع في جميع الأحوال، إلا أن الباحثة ترى أن هذا التوجه لا يقدم إجابة كافية عن السؤال الأساسي، وهو: لماذا يجب أن تكون خصوصية المستخدم وحريته في التعامل مع المصنفات ذات قيمة تستحق الحماية داخل نظام حق المؤلف؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تعتمد على التحليل الاقتصادي وحده، وإنما تحتاج إلى رؤية أوسع تراعي المصلحة العامة والتقدم الثقافي.
وتتوسع كوهين في مناقشة مسؤولية مطوري التقنيات الرقمية، مثل برامج مشاركة الملفات، وتبين أن القضاء غالباً ما تعامل مع النزاع باعتباره صراعاً بين أصحاب الحقوق ومطوري التكنولوجيا، بينما ظل المستخدم غائباً عن هذا النقاش، ونتيجة لذلك؛ أصبحت التشريعات تميل إلى تشجيع التقنيات التي تفرض قيوداً صارمة على استخدام المصنفات الرقمية، بدلاً من البحث عن حلول تحقق التوازن بين حماية الحقوق وإتاحة الاستخدام المشروع للمصنفات، وترى الباحثة أن هذا التوجه قد يحد من الابتكار ويقلل من قدرة المستخدمين على الإسهام في إنتاج المعرفة والثقافة.
إذًا، تخلص الدراسة إلى أن مستقبل قانون حق المؤلف يتطلب إعادة الاعتبار للمستخدم بوصفه أحد الأعمدة الرئيسة للنظام القانوني، وليس اعتباره مجرد شخص يخضع للقيود أو يمثل خطراً على الحقوق الاستئثارية للمؤلف، فالمستخدم هو المتلقي والمبدع المحتمل في الوقت نفسه، ومن خلال تفاعله مع المصنفات تتطور المعرفة وتزدهر الثقافة.
لذلك فإن بناء نظام متوازن لحق المؤلف يقتضي حماية حقوق المؤلفين مع الاعتراف كذلك بحقوق المستخدمين وحرياتهم المشروعة، بما يحقق التوازن بين تشجيع الإبداع وصون المصلحة العامة، وهو التوازن الذي يمثل الغاية الأساسية لأي نظام حديث لحماية المصنفات الفكرية.
ملاحظة للقارىء: هذه المقالة تعليق وتعقيب على البحث المعنون بـ(Julie E، Cohen, The Place of the User in Copyright Law, Fordham Law Review) للباحثة جولي كوهين (julie cohen).

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن