|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 7 / 4
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
4 تموز يوليو 2026
مقدمة: لحظة وقف النار التي تكشف أكثر مما تُخفي
يأتي المقال الذي نشره البروفيسور الأمريكي جيفري ساكس بالشراكة مع سِبيل فارس في منصة الجزيرة، 21 حزيران يونيو 2026 بعنوان: «أوقفوا “إسرائيل الكبرى” من أجل السلام» في سياق إقليمي متفجر، عقب حرب امتدت لأكثر من 100 يوم بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من تصعيد في لبنان وغزة وإنعكاسات إقتصادية عالمية.
يفتتح الكاتبان نصهما بنبرة مزدوجة: ترحيب حذر بوقف إطلاق النار، وتحذير من فهمه كتحول جذري في المسار السياسي.
“لنرحّب بها، لكن لنفهمها أيضًا… بعد أكثر من مئة يوم من الحرب التي قتلت الآلاف، بما في ذلك كبار القادة الإيرانيين.”
من البداية، يضع المقال نفسه في منطقة وسطى بين الدبلوماسية والتشخيص البنيوي للصراع.
أولاً: تسمية الفكرة المهيمنة… “إسرائيل الكبرى” كسبب تفسيري شامل
القفزة التحليلية الأساسية في المقال هي تقديم مفهوم “إسرائيل الكبرى” بإعتباره العامل التفسيري المشترك لسلسلة الحروب في المنطقة.
يكتب ساكس وفارس: “لفهم لماذا إندلعت هذه الحرب وسلسلة الحروب قبلها، يجب تسمية السبب المشترك: ‘إسرائيل الكبرى’.”
لكن النص يحرص على التمييز بين “الدولة” و“الفكرة”، في محاولة لتفادي التعميم المباشر الذي يثير إتهامات جاهزة بمعاداة السامية: فالنص لا ينتقد وجود إسرائيل كدولة بحدودها الراهنة، بل ينتقد فكرة سياسية توسعية تُعرف بـ‘إسرائيل الكبرى’ ويعتبرها مصدر خطر داهم.
هذه الصياغة تكشف محاولة لتجريد النقد من طابعه الإثني أو الديني، وإعادة توجيهه نحو “عقيدة سياسية” محددة.
ثانياً: تعريف المشروع… من فلسطين إلى الإقليم
يقدّم المقال تعريفًا واسعًا لما يسميه “إسرائيل الكبرى”، بإعتباره مشروعًا يتجاوز حدود فلسطين التاريخية: “يمتد من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وإلى أجزاء من الدول المجاورة أيضًا.”
ثم يوسع الإطار أكثر عبر الإشارة إلى تصريحات سياسية ودينية، منها ما نُسب إلى السفير الأمريكي في إسرائيل ميك هاكابي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول إمتداد جغرافي من النيل إلى الفرات.
في هذا السياق، تصبح “إسرائيل الكبرى” ليست مجرد شعار سياسي، بل سردية جيوسياسية-دينية مركبة.
ثالثاً: بنية العقيدة… بين القومية والدين
يحاول المقال تفكيك ما يراه “مصادر القوة الفكرية” لهذا المشروع، ويقسمها إلى تيارين:
1. تيار قومي علماني متشدد
يمثله بنيامين نتنياهو، ويقوم على فكرة السيطرة الكاملة لضمان الأمن.
2. تيار ديني متطرف
يمثله إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، القائم على فكرة “الحق الإلهي في الأرض”.
وينقل المقال عن سموتريتش قوله: “لا وجود لشعب فلسطيني.”
ويضيف: “لن نقوم بالإنتحار لإرضائهم.”
بهذا البناء، يقدم النص رؤية تعتبر أن المشروع الإسرائيلي الحالي هو تداخل بين “الواقعية الأمنية” و“الأيديولوجيا الدينية”.
رابعاً: من الوهم إلى التآكل… نقد إستراتيجية القوة
الخط المركزي في المقال هو أن هذا المشروع لم يعد ينتج قوة بل إستنزافًا.
يصفه الكاتبان بأنه: “مزيج من البارانويا والعظمة الدينية والتطرف العقائدي.”
ثم يقدمان أطروحة تاريخية ممتدة: “نحن بعد ثلاثين عامًا من هذه المأساة.”
ويستخدم المقال أمثلة متكررة—من العراق إلى سوريا إلى إيران—ليؤكد أن: “الحرب التي يُفترض أن تنتهي في يوم تتحول إلى مقابر تمتد لعقد كامل.”
هذه الجملة تلخص منطق النص: فشل الحسم العسكري السريع بوصفه قاعدة شبه ثابتة في سياسات الشرق الأوسط.
خامساً: ترامب وإعادة التموضع الأمريكي
في تحليل الدور الأمريكي، يقدم المقال قراءة مختلفة لدور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بوصفه ليس صانع الحرب بل من يحاول الخروج منها: “إتفاق إيران الجديد هو صمام هروب من حرب عبثية لم تكن حربه.”
هذا التصوير يعكس رؤية تعتبر أن الولايات المتحدة ليست بالضرورة قوة موجهة للصراع، بل طرفًا محاصرًا داخل ديناميات حليفه الإسرائيلي.
سادساً: الإنعكاس العالمي… تراجع الشرعية الدولية
يستند المقال إلى بيانات إستطلاع رأي (Pew) ليبني حجته حول تآكل صورة إسرائيل عالميًا: “العالم يحمل نظرة سلبية بشكل ساحق تجاه إسرائيل.”
ثم يضيف: “حتى في الولايات المتحدة، ستة من كل عشرة بالغين لديهم نظرة غير إيجابية.”
هنا ينتقل النص من التحليل الجيوسياسي إلى “إقتصاد الشرعية”، أي أن البقاء السياسي لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على القبول العالمي.
سابعاً: الحل المقترح… هندسة سياسية جديدة للمنطقة
لا يكتفي المقال بالنقد، بل يقدم تصورًا للحل يقوم على أربعة عناصر مترابطة:
▪️وقف الحرب مع إيران
▪️إنهاء الحرب في غزة
▪️وقف السيطرة على الضفة الغربية
▪️إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967
ويضيف بعدًا بنيويًا: “قيام دولة فلسطين كعضو رقم 194 في الأمم المتحدة إلى جانب دولة إسرائيل.”
ثم يربط ذلك بإطار إقليمي أوسع يشمل إنسحابًا من لبنان وسوريا.
في هذا الطرح، يصبح السلام ليس إتفاقًا ثنائيًا بل “هندسة نظام إقليمي جديد”.
خاتمة: بين سردية القوة وسردية الإنهيار
يقدم مقال ساكس وفارس محاولة لإعادة تعريف لحظة الشرق الأوسط الراهنة: ليست مجرد حرب جديدة، بل إستمرار لمسار طويل من “سوء تقدير القوة”.
والخلاصة التي يقترحها النص واضحة: لا يمكن لمنطقة مشتعلة أن تُدار بعقيدة توسعية دون أن تتحول إلى نظام إستنزاف دائم.
لكن السؤال الذي يتركه المقال مفتوحًا—دون إجابة حاسمة—هو:
هل المشكلة في “فكرة” بعينها، أم في بنية إقليمية ودولية كاملة تنتج هذه الفكرة وتعيد إنتاجها بإستمرار؟
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |