|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 7 / 3
مقدمة
تُوصف العلاقة التي تجمع إسرائيل بحلفائها الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وألمانيا، غالباً بأنها "علاقة استثنائية" أو "خاصة"، تقوم على دعم سياسي وعسكري ودبلوماسي غير مشروط. غير أن هذا الدعم المطلق، الذي يبلغ في حالة الولايات المتحدة أكثر من 300 مليار دولار من المساعدات منذ تأسيس إسرائيل، يحمل في طياته تناقضات عميقة جعلت بعض المحللين يصفونه بـ"الغرام المسموم". فثمن هذه العلاقة بات باهظاً ليس فقط على الفلسطينيين والمنطقة العربية، بل أيضاً على الحلفاء أنفسهم، الذين يدفعون ثمناً دبلوماسياً وسياسياً وأخلاقياً متصاعداً.
يتناول هذا البحث طبيعة العلاقة "المسمومة" بين إسرائيل وحلفائها الغربيين، متتبعاً جذورها التاريخية، وكاشفاً تناقضاتها، ومحللاً تكاليفها على جميع الأطراف، معتمداً على مراجع ومصادر أكاديمية وتحليلية متنوعة.
أولاً: جذور العلاقة وتطورها
1. العلاقة الألمانية الإسرائيلية: من التعويض إلى الدعم المطلق
تعود جذور العلاقة الألمانية الإسرائيلية إلى عام 1952، حين تعهدت جمهورية ألمانيا الاتحادية بتقديم مساعدة اقتصادية ضخمة لإسرائيل بلغت نحو 9 مليارات دولار بأسعار الصرف الحالية، على مدار 12 عاماً، في محاولة للتعويض عن مسؤوليتها التاريخية في الهولوكوست. وبفضل هذه المساعدات، أصبحت بون الشريك التجاري الأول لإسرائيل، متفوقة حتى على فرنسا والولايات المتحدة في السنوات الأولى لنشأة الدولة العبرية.
تطورت العلاقة بعد حرب السويس عام 1956، عندما تعهدت ألمانيا الغربية بتقديم مساعدات عسكرية نوعية لإسرائيل، شملت دبابات ومروحيات وأسلحة متنوعة. وفي عام 1965، أقام البلدان علاقات دبلوماسية كاملة، مما دفع معظم الدول العربية إلى قطع علاقاتها مع بون. وبعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، تحول الدعم المطلق لإسرائيل إلى "مصلحة عليا للدولة"، كما أعلنت المستشارة أنجيلا ميركل في عام 2008.
2. العلاقة الأمريكية الإسرائيلية: من التحالف إلى التبعية
تُعد العلاقات الإسرائيلية الأمريكية من أبرز العلاقات الثنائية في النظام الدولي، إذ تعود إلى عام 1948 عند تأسيس دولة إسرائيل. وتتميز هذه العلاقة، بحسب العديد من التحليلات، بأنها "علاقة استراتيجية تحالفية" تعتبرها إسرائيل الحلف الأهم والأكثر استقراراً.
يرجع بعض الأكاديميين هذا الدعم "الأعمى وغير المحدود" إلى عوامل متعددة: الترابط الديني بين الصهيونية والبروتستانتية، والتحالف القائم على المصالح الإستراتيجية، ودور اللوبي وجماعات اليهود الأميركيين. كما تشير دراسات إلى أن شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة تزيد على شعبية الرؤساء الأميركيين أنفسهم، إذ بلغت نسبة تأييد إسرائيل بين الأميركيين 75% وفق استطلاعات غالوب.
ثانياً: تناقضات "الغرام المسموم"
1. ازدواجية المعايير
يكشف تحليل السياسة الخارجية الألمانية تناقضاً صارخاً: فعندما غزت روسيا جارتها أوكرانيا، نددت ألمانيا بشدة بانتهاك القانون الدولي وتحركت بسرعة للدفاع عن السيادة الأوكرانية. أما في حالة قطاع غزة، فقد اصطفت ألمانيا إلى جانب المعتدي وليس المعتدى عليه، مما يفضح ازدواجية المعايير التي لا تخطئها عين.
هذا التناقض دفع الكاتب إغناسيو ألفاريز أوسوريو، أستاذ كرسي الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، إلى وصف العلاقة الألمانية الإسرائيلية بأنها "غرام مسموم"، حيث تحولت ألمانيا من دولة تسعى للتكفير عن ذنب تاريخي إلى شريك أساسي في سياسات ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
2. إشكالية الضحية والجلاد
وفقاً للمنطق الذي تطبقه برلين، يجب اعتبار اليهود ضحايا أبديين، وبالتالي لا يمكنهم أبداً أن يمارسوا دور الجلاد. هذا التصور، كما يشير التحليل النقدي، يتجاهل حقيقة أن إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، كانت تشكل تهديداً لاستقرار الشرق الأوسط بسبب محاولاتها المتكررة لتأسيس "إسرائيل الكبرى" بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وفي السابع من نوفمبر 2024، أقر البرلمان الألماني قراراً بعنوان "لن يتكرر أبدا"، ساوى فيه بين أي انتقاد لدولة إسرائيل أو الصهيونية وبين معاداة السامية، مما سمح بحظر المظاهرات المتضامنة مع فلسطين وإلغاء المؤتمرات والندوات المتعلقة بالوضع في الشرق الأوسط.
3. التكلفة الدبلوماسية
لم تقتصر تكاليف هذا "الغرام المسموم" على الجانب الأخلاقي، بل امتدت إلى الخسائر الدبلوماسية الفادحة. ففي يونيو 2026، عجزت ألمانيا للمرة الأولى عن حشد الأصوات اللازمة لترشيحات أحد المقاعد الدورية العشرة في مجلس الأمن، وهو ما فُسر على أنه ثمن باهظ وعقاب لها على دعمها غير المشروط لسياسة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل.
ثالثاً: ملامح الأزمة الحالية
1. تصدع العلاقات مع الحلفاء الغربيين
شهدت علاقات إسرائيل مع حلفائها الغربيين مؤخراً تصدعاً واضحاً على خلفية تصاعد الدعوات للاعتراف بدولة فلسطين ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف حربه في غزة. ففي الجهة الفرنسية، اتهم نتنياهو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن اعتزامه الاعتراف بالدولة الفلسطينية "يُغذّي معاداة السامية ويُضعف إسرائيل"، وهو ما ردت عليه الرئاسة الفرنسية ببيان حاد وصف تصريحاته بأنها "دنيئة" و"مبنية على مغالطات".
2. عزلة تتسع
تشير تحليلات إسرائيلية حديثة إلى أن أزمة إسرائيل في الغرب لم تعد مجرد موجة انتقادات عابرة، بل باتت أزمة أعمق تمس مكانتها السياسية وشبكة تحالفاتها التاريخية. وتلتقي ثلاث مقالات إسرائيلية - للكتاب إيتامار إيخنر وتسيبي شميلوفيتش ودان بيري - عند خلاصة واحدة: أن المشكلة لم تعد في "شرح الرواية الإسرائيلية" للعالم، بل في أن السياسات نفسها باتت تنتج عزلة متزايدة، وتُبدد ما تبقى من أصدقاء تقليديين.
يشير إيخنر إلى أن العلاقات بين إسرائيل وأوروبا بلغت مستوى غير مسبوق من التدهور، وأنه "ليس من المبالغة القول إن وضعنا لم يكن بهذا السوء من قبل". وتمتد المشكلة إلى حلفاء أكثر قرباً مثل ألمانيا وإيطاليا، لا تقتصر على دول مثل فرنسا وإسبانيا وبلجيكا.
3. مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية
خلصت مجلة "فورين أفيرز" في تحليل شامل إلى أن العلاقة الاستثنائية بين أميركا وإسرائيل، التي حافظت فيها الولايات المتحدة على انسجام كامل مع إسرائيل في زمن السلم والحرب مع تقديم دعم دبلوماسي وعسكري غير مشروط، لم تعد قابلة للاستمرار لما تلحقه من أضرار سياسية وأمنية وإنسانية بالأميركيين والإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
وتشير المجلة إلى أن العلاقة تحولت مع الوقت إلى منظومة تمنح إسرائيل حصانة سياسية وعسكرية وتضمن لها المساعدات الضخمة بغض النظر عن سياساتها، مع قيام الولايات المتحدة بحمايتها دبلوماسياً في الأمم المتحدة وتجاوز قوانينها الخاصة المعمول بها مع دول أخرى. وكشفت حرب غزة أن هذا النموذج لم يعد مستداماً.
خاتمة
إن وصف العلاقة بين إسرائيل وحلفائها الغربيين بـ"الغرام المسموم" يعكس تناقضاً جوهرياً في السياسة الدولية: فمن جهة، يقوم هذا التحالف على أسس تاريخية وأيديولوجية ومصالح استراتيجية؛ ومن جهة أخرى، يحمل في طياته تكاليف باهظة على الحلفاء أنفسهم، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الأخلاقي أو السياسي.
لقد تحول الدعم الغربي لإسرائيل من التزام تاريخي - في حالة ألمانيا - أو تحالف استراتيجي - في حالة الولايات المتحدة - إلى عبء ثقيل يهدد مصالح الحلفاء ويُفقدهم مصداقيتهم الدولية. ومع استمرار السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة، وتزايد العزلة الدولية لإسرائيل، يبدو أن هذا "الغرام المسموم" مقبل على مزيد من التوتر والانهيار، مما يستدعي إعادة تقييم جذرية لطبيعة هذه العلاقات من قبل جميع الأطراف المعنية.
قائمة المراجع
1. ألفاريز أوسوريو، إغناسيو. "الغرام المسموم.. ألمانيا تدفع ثمن علاقتها بإسرائيل". الجزيرة نت، 30 يونيو 2026.
2. "فورين أفيرز: العلاقة الاستثنائية بين أميركا وإسرائيل غير قابلة للاستمرار". الجزيرة نت، 6 ديسمبر 2025.
3. "لماذا تدعم أميركا إسرائيل بشكل لا محدود منذ 70 عاما؟". الجزيرة نت، 17 مايو 2021.
4. "لعنة غزّة.. هل بدأ ملك إسرائيل يخسر حلفاءه الغربيين؟". الجزيرة نت، 20 أغسطس 2025.
5. "إسرائيل تخسر الغرب.. عزلة تتسع وحلفاء يبتعدون". الجزيرة نت، 15 أبريل 2026.
6. "العلاقات الإسرائيلية الأمريكية". ويكيبيديا.
7. "العلاقات الإسرائيلية-الأمريكية: النشأة والمستقبل". مركز القدس للدراسات، 21 مارس 2020.
8. "US-Israel relations at 75". Taylor & Francis Online، 2023.
9. "How America s Alliance with Israel Became So Divisive". Harvard University Press.
10. "حلفاء في أزمة: حدود تراجُع العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية وآفاقها". مركز السياسات الإماراتي، 10 مايو 2023.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |