الدكتور إدريس الواغيش بين متعة الصوفية في السفر والتأمل في دهشة الصحراء

عزيز باكوش
2026 / 7 / 2

علاقتي بالأخ إدريس الواغيش تحكمها تقاطعات مهنية أدبية وإعلامية من بداية ثمانينيات القرب الماضي. فنحن نكتب معا نتواصل معا كآباء وإعلاميين، ونتحدث كأساتذة صديقين ورفيقين يسكنهما معا هوس الإيمان بجدوى النضال الحقيقي فيما يكتبان وما يدونان حد اليقين. سواء في مجال الذاكرة الثقافية وقضايا المجتمع ،أوما تعلق بأعطاب النفس الإنسانية في زخم الحياة الموجعة بتفاصيلها الدقيقة والعميقة.
حتى حينما يبدع أبو وديع وشهرزاد شيئا ، أو يصدر منتوجا أدبيا ما أكون ضمن الثلاثة الأوائل ضمن أجندة الإهداء .هذا أمر مؤكد . وهو ما حدث قبل أسبوع حين أهداني على إيقاع ضبطه الفنجان بمزاج يقظ أحدث إصداراته الموسومة ب- هكذا عرفت الصحراء –رحلات مثيرة بين فاس والكركرات- 2026. بحضور وارف للإعلامي محمد ابن المليح.
لكن قبل هذا وذاك. فالدكتور إدريس الواغيش كما أعرفه قاص شاعر وكاتب وله ريبيرطوار زاخر بالعديد من الإصدارات في الشعر مثلا نطالع : أجنحة وسبع سماوات (2015) مراتيج باب البحر (ديوان مشترك) تونس – 2010 انفلاتات (ديوان مشترك) تونس – 2008 -عُزلة تقاسمني صبري – 2018 -يلزمني خطيئة أخرى – 2025 .أما في القصة فنقرأ : ظلال حارقة – 2011 أبواب السراب – 2018 . وفي النقد: محمد السرغيني، جمالية الخلق الشعري – 2019 .هذا إلى جانب إسهامات في كتب جماعية منها : «عز الدين المناصرة، شاعر الحياة والأرض» مع مجموعة من النقاد والكتاب العرب والمغاربة كتاب حول تجربة الشاعرة مليكة العاصمي: "ملاك الشعر وسحر القراءة" كتاب جماعي، حول تجربة القاص والروائي مصطفى لغتيري: «فن القصير جدا عند مصطفى لغتيري» ملاك الشعر وسحر القراءة- دراسات ومقاربات لشعر ملكية العاصمي...فضلا عن عشرات التقارير والمقالات في مختلف الجرائد والمواقع بكافة التجنيسات لا يتسع المقام لذكرها.
وبالعودة إلى أحدث إصدارات الدكتور إدريس الواغيش -هكذا عرفت الصحراء.. الصادر في 402 من الصفحات بطبعة أنيقة 2026بالجاكيت. نجده وقد استهله بتقديم كثيف ودال بقلم الدكتور محمد يوب. ثم نقرأ إهداء بنكهة الاعتبار والعرفان إلى كل من أسال قطرة دم في سبيل الوطن، إلى كل الجنود البواسل الذين باتوا متيقظين في قر ليالي الشتاء وإلى كل من قضى سنوات تحت حر شمس الصحراء دفاعا عن الوطن التي أصبحت لاحقا مقبرة للغزاة .
يشتمل الكتاب على 14 فصلا ويتضمن 74 مقالا حاول الكاتب من خلالها الوقوف في سفرياته التي امتدت لتعانق أربعة عقود بدء من 1985 إلى غاية 2025 عن الأماكن وتمثلاتها عبر توثيق مشاهداته في الصحراء المغربية بدء من صحاري المغرب الشرقي في مرزوكة وصولا إلى أقصى نقطة في الجنوب المغربي . في الكتاب يجد القارئ وصفا للطبيعة الصحراوية التي تمرسها الكاتب لسنوات بحكم مهنة التدريس. طبيعة تفرض على الإنسان الصبر القناعة والكرم والاعتماد على الذات في تدبر حياته. على أن الكتاب باقتضاب شديد " يجمع بين طياته بين متعة السفر والبحث عن المعرفة وبين السرد القصصي والوصف الدقيق . وإن لم يخل من خيال أدبي في سرد بعض الأحداث" ولك وفق قناعاته وإيمانه بأبعاد الفرح الثلاثية للسفر - فرحة الانطلاق فرحة المسار وفرحة العودة " . فنجاريه كقراء حين يبوح " كنت في بعض الرحلات مرشدا سياحيا مع سياح أجانب وفي أخرى سائحا مع أصدقاء من المغرب . ولكنني كثيرا ما كنت في رحلاتي وحيدا منعزلا مثل أي ذئب منفرد "وعندما نرهف السمع لحواراته مع الناس ونقتفي أثار أقدامه في رمال الصحراء يسهل علينا تصنيف الكتاب ضمن (أدب الرحلة)، حيث يوثق فيه الكاتب بأسلوب فني وانطباعي رحلته الوجدانية والأنثروبولوجية عبر مدن ومناطق الصحراء المغربية وصولا إلى معبر الكركرات. في سفر ذي أبعاد تأملية وإنسانية سواء من خلال حواره مع السكان المحليين، أو عبر تعريجاته بشكل عابر وتوثيقي على الذاكرة المكان وما شهدته تلك المناطق من معارك دفاعا عن حوزة الوطن.
وفي التقديم ذاته نقرأ على لسان الكاتب « كنتُ ألحّ في كل سفرياتي على طرح الأسئلة، حيثما حللت ونزلت، وكنت أحاول أن أسمع إجابات ما استطعت. وأنا من عادتي، كلما زُرت مكانًا أو مدينة، سواء في زياراتي إلى الصحراء المغربية، وفي سفرياتي إلى أماكن أخرى على اختلاف تنوعها الجغرافي، أتجرأ وأحكي مع الناس في المقاهي والمطاعم، وفي سيارات الأجرة كما الفنادق. كنت أسألهم عن أحوالهم ومعيشتهم، وأحاورهم فيما تغيّر من حولهم. مررت في رحلاتي بالصحراء المغربية، وزرت مناطق عزيزة على قلوب كل المغاربة، وأصبحوا مرتبطين بها وجدانيًا، وفوق كثبان رمالها وقعت بعض أشرس المعارك. إلى أن يخلص " حاولت التأكد من خصوصيات بعض الأماكن، وذكر ما وقع فيها من معارك ضارية دارت رحاها بين أفراد الجيش المغربي والمرتزقة الانفصاليين. وكان إدراجها في مروري الزَّمني عابرًا رحّالة ومُسافرًا، في مسألة ارتباط بين الزَّمان والمكان لا أقل ولا أكثر من ذلك."
وحرصا على الموضوعية ،الكاتب ما فتئ يؤكد غير ما مرة، أن كل ما ورد في كتابه من معلومات وسرديات للأحداث جاء في سياقات سفرية معيّنة ومُختلفة فرضتها ظروف لقاءات وحوارات في السفر. لم يخترها للتدوين ولا بحث عنها، ولكنّه صادفها في طريقه، بدءًا من صحراء المغرب الشرقي في محاميد الغزلان، مُرورًا بمدن طاطا وأَقّا، ثم طانطان والسمارة والعيون وبوجدور والدّاخلة، وصولاً إلى مَعْبر الكَرْكَرَات في أقصى المَسموح به جنوبًا. ويضيف في السياق ذاته " كنت أتمنى الوقوف في ختام هذه الرّحلات على أعتاب مدينة الكويرة، ولكن الأبواب الحديدية لرجال الجمارك هناك في المعبر، حالت بيني وبين المُبتغى".
هذا العمل، كما جاء على ظهر غلافه البديع - هو نتاج أدبي فني محض.هو كتاب يوثّق مشاهدات انطباعات ومغامرات سفرية بدأت واستمرت على فترات متقطعة إلى مشارف نهاية 2025 . والظاهر أن الدكتور إدريس الواغيش في هذه التجربة يناجي متعة السفر من زاوية تأمل صوفية توقظها في دواخله دهشة الصحراء .على أن الكاتب لا ينظر إلى الصحراء باعتبارها منطقة جغرافية قاحلة، ولكن باعتبارها منظومة قيم وجودية وفكرية وأنثروبولوجية في علاقتها بالإنسان الصحراوي".

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن