|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 7 / 2
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
2 تموز يوليو 2026
لم يعد الجدل في إسرائيل يدور فقط حول حدود القوة أو طبيعة الصراع مع الفلسطينيين، بل إنتقل إلى مستوى أكثر عمقاً وقلقاً: تعريف الدولة لنفسها، ولحدود ما يمكن أن تفعله باسم “الأمن”.
التقرير المنشور في 28 يونيو 2026 على منصة “تلغرام – كونتورا بيشيت” يكشف عن لحظة سياسية نادرة، تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل الحديث: رسالة مفتوحة موجهة إلى الحكومة وقّعها رئيسا وزراء سابقان، هما إيهود أولمرت وإيهود باراك، إلى جانب رؤساء سابقين لأجهزة الأمن والقضاء، وشخصيات ثقافية بارزة.
ليست مجرد رسالة نقد سياسي. إنها، في جوهرها، إعلان قطيعة داخلية، أو على الأقل محاولة لوقف إنزلاق يُوصف داخل النص ذاته بأوصاف ثقيلة مثل “التطهير العرقي” و“الإرهاب اليهودي”.
هذه اللغة، رغم حديتها، تكشف عن أمر أعمق من الجدل السياسي اليومي: إنقسام داخل مفهوم الشرعية ذاته.
حين تنقلب النخبة على خطابها السابق
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن كثيراً من الموقعين على الرسالة لم يكونوا مراقبين من الخارج، بل كانوا في قلب صناعة القرار لعقود. بعضهم قاد الحكومة، وبعضهم الآخر أدار أجهزة أمنية شكلت بنية القوة الإسرائيلية لعقود طويلة.
ومع ذلك، فإنهم اليوم يتحدثون بلغة التحذير القصوى، محذرين من أن سياسات الدولة العبرية فيما يخص الضفة الغربية لا تؤدي فقط إلى توتر ميداني، بل إلى تفكك إستراتيجي وأخلاقي في آن واحد.
في خلفية هذا التحول يقف رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، بوصفه رأس السلطة السياسية التي تتهمها الرسالة بأنها تسمح، أو لا تمنع بما يكفي، تصاعد العنف في الضفة الغربية.
أرقام تتحول إلى سياسة
ما يجعل الرسالة أكثر من مجرد بيان سياسي هو إستنادها إلى معطيات ميدانية صادمة، نُسبت إلى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. فمنذ عام 2020، تشير الأرقام إلى مقتل ما لا يقل عن 1100 مدني فلسطيني في الضفة الغربية، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال. كما تتحدث البيانات عن آلاف حوادث العنف، وعمليات تهجير متكررة خلال العامين الأخيرين.
لكن الأرقام هنا لا تُستخدم كإحصاءات باردة، بل كحجج سياسية وأخلاقية: دليل على أن إستمرار الوضع الراهن لم يعد مجرد “إدارة صراع”، بل إدارة أزمة تتفاقم ذاتياً.
بين الأمن والإنهيار الأخلاقي
جوهر الرسالة لا يتعلق فقط بإنتقاد الحكومة، بل بإعادة طرح السؤال الذي طالما تجنبته السياسة الإسرائيلية: هل يمكن أن يتحول “الأمن” إلى منظومة تُنتج عدم الإستقرار؟
الموقعون يحذرون من أن إستمرار العنف دون محاسبة قد يؤدي إلى إنفجار أمني جديد، وربما إلى إنتفاضة واسعة، لكنهم يذهبون أبعد من ذلك: إلى الحديث عن عزلة دولية متزايدة، وتآكل في شرعية إسرائيل الأخلاقية أمام العالم.
هنا يصبح الأمن، للمفارقة، عاملاً لإنتاج الضعف، لا القوة.
مفارقة الداخل: نقد من داخل الدولة العميقة
ربما أكثر ما يلفت في هذه اللحظة هو أن النقد لا يأتي من خصوم خارجيين، بل من داخل ما يمكن تسميته بـ“الدولة العميقة” الإسرائيلية نفسها.
هؤلاء الذين صاغوا في السابق جزءاً من سياسات الردع والسيطرة، يعودون اليوم ليقولوا إن المسار نفسه قد يكون قد فقد توازنه.
هذه المفارقة تمنح الرسالة وزنها الحقيقي: فهي ليست مجرد موقف سياسي، بل شهادة من داخل التجربة نفسها.
سؤال المستقبل: أين تتجه إسرائيل؟
في النهاية، لا تطرح هذه الرسالة إجابة بقدر ما تفتح سؤالاً أكبر: هل تستطيع إسرائيل أن تستمر في الجمع بين القوة العسكرية المطلقة، والشرعية القانونية، والإستقرار السياسي طويل المدى؟
أم أن ما نشهده اليوم هو بداية إعادة تعريف قاسية لمفهوم الدولة، وحدود القوة، ومعنى النصر ذاته؟
ما هو واضح أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل داخل العقل السياسي الإسرائيلي نفسه — حيث تتقاطع الذاكرة مع الخوف، والأمن مع الأخلاق، والماضي مع مستقبل غير محسوم.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |