من صفحات التاريخ - إنتخابات 1996 الروسية: هل سُرقت من الشيوعيين أم أن التاريخ حسمها مسبقاً؟

زياد الزبيدي
2026 / 7 / 1

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

1 تموز يوليو 2026

بعد ثلاثين عاماً... لماذا ما زالت الإنتخابات الأكثر إثارة للجدل في روسيا؟

بعد ثلاثة عقود تقريباً على الإنتخابات الرئاسية الروسية التي جرت عام 1996، لا يزال الجدل محتدماً حول سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه يختصر مرحلة كاملة من تاريخ روسيا ما بعد الإتحاد السوفياتي: هل إنتصر غينادي زيوغانوف فعلاً ثم جرى حرمانه من الرئاسة، أم أن بوريس يلتسين فاز بالفعل رغم كل ما شاب العملية الإنتخابية من ضغوط وإختلالات؟
في مقال نشره الباحث والمحلل السياسي الروسي أليكسي ماكاركين بتاريخ 10 يونيو/حزيران 2026، يعود الكاتب إلى تلك اللحظة المفصلية محاولاً تفكيك أكثر الأسئلة تداولاً حول إنتخابات 1996. ولا يكتفي بمناقشة مسألة التزوير أو النزاهة الإنتخابية، بل يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي الروسي آنذاك، ومستقبل الديمقراطية الناشئة، والعلاقة المعقدة بين النخب الإقليمية والمركز، فضلاً عن طبيعة الحزب الشيوعي الروسي نفسه.
وتكشف قراءة متأنية للنص أن القضية ليست مجرد نزاع حول أرقام إنتخابية، بل صراع بين روايتين تاريخيتين متناقضتين حول مسار روسيا بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي.


أسطورة «الرئيس الذي لم يصبح رئيساً»

يبدأ ماكاركين بمواجهة إحدى أكثر الروايات إنتشاراً في الذاكرة السياسية الروسية، وهي الإعتقاد بأن غينادي زيوغانوف كان الفائز الحقيقي في إنتخابات 1996 وأن النتيجة جرى تزويرها لصالح يلتسين.
لكن الكاتب يرفض هذا الإستنتاج بشكل قاطع، مؤكداً أن: «قلب نتائج الإنتخابات عبر تبديل موقعي المرشحين مع وجود فارق يبلغ 12.5 نقطة مئوية في الجولة الثانية أمر مستحيل.»
ويضيف أن الشيوعيين أنفسهم لم يكونوا مقتنعين في ذلك الوقت بأن مرشحهم قد سُرقت منه الرئاسة.
ففي الجولة الثانية حقق يلتسين تقدماً كبيراً نسبياً على منافسه، وهو فارق يصعب تفسيره بمجرد التلاعب الإداري أو التزوير المحلي المحدود. كما أن زيوغانوف نفسه إعترف بالهزيمة وهنأ يلتسين على فوزه، وهو أمر يراه الكاتب دليلاً إضافياً على أن قيادة الحزب الشيوعي لم تكن تملك أدلة تسمح بالطعن الجدي في النتيجة النهائية.
ومن هنا يخلص ماكاركين إلى أن صورة «الرئيس المسروق» لم تتشكل عام 1996، بل ظهرت لاحقاً بعد تراجع شعبية يلتسين خلال ولايته الثانية، حين بدأت قطاعات واسعة من الروس تنظر إلى تلك الإنتخابات من خلال خيبات السنوات اللاحقة.

النخب الإقليمية وتغيير الولاءات: ماذا حدث في جمهوريات روسيا؟

واحدة من أكثر النقاط إثارة للإهتمام في تحليل ماكاركين تتعلق بسلوك النخب الإقليمية داخل جمهوريات الإتحاد الروسي.
فقد أشار إلى أن زيوغانوف حصل في الجولة الثانية على نتائج أسوأ مما حققه في الجولة الأولى في سبع جمهوريات روسية ذات الحكم الذاتي، وهو أمر يبدو غير منطقي للوهلة الأولى، إذ يفترض عادة أن يجذب المرشح في الجولة الثانية أصواتاً إضافية لا أن يخسر جزءاً من قاعدته.
ويكتب ماكاركين: «في سبع جمهوريات ضمن الإتحاد الروسي كانت نتيجة زيوغانوف في الجولة الثانية أقل منها في الجولة الأولى.»
غير أن الكاتب يفسر ذلك ليس بوصفه دليلاً على تزوير واسع النطاق، وإنما نتيجة لتبدل مواقف النخب المحلية التي أخطأت في تقدير ميزان القوى خلال الجولة الأولى ثم سارعت إلى إعادة تموضعها.
وكانت حالة داغستان المثال الأكثر وضوحاً، إذ تراجعت النتائج الرسمية لزيوغانوف بنحو عشرين نقطة مئوية. أما في جمهوريات إنغوشيا وكباردينو ـ بلقاريا وقرة تشاي ـ شركيسيا وموردوفيا وأوسيتيا الشمالية وتتارستان، فكان التراجع أقل بكثير.
ومن وجهة نظر الكاتب فإن هذه التحولات تعكس سلوكاً براغماتياً للنخب المحلية أكثر مما تعكس عملية تلاعب مركزية شاملة.

هل كانت الانتخابات نزيهة فعلاً؟

إذا كان ماكاركين يرفض فكرة إنتصار زيوغانوف، فإنه لا يذهب في المقابل إلى إعتبار إنتخابات 1996 نموذجاً مثالياً للنزاهة الديمقراطية.
فهو يعترف بوضوح بأن يلتسين تمتع بتفوق إعلامي هائل، ويقول: «لقد هيمن يلتسين بالكامل على التلفزيون، ولذلك لا يمكن الحديث عن تكافؤ في الفرص.»
وهنا يبرز أحد أهم أوجه التناقض في التجربة الروسية خلال التسعينيات.
فمن جهة، كانت وسائل الإعلام التلفزيونية الكبرى منحازة بصورة واضحة للرئيس القائم. ومن جهة أخرى، لم يكن الحزب الشيوعي معزولاً أو محظوراً، بل إمتلك صحفاً ومنابر إعلامية مؤثرة كان لها وزن إنتخابي معتبر في ذلك الزمن.
ويذكّر الكاتب بأن يلتسين نفسه وصل إلى السلطة عام 1991 رغم الحصار الإعلامي الذي فرضته عليه وسائل الإعلام السوفياتية الرسمية آنذاك، ما يعني أن السيطرة على التلفزيون وحدها لا تفسر نتائج الإنتخابات.

لماذا فشل الشيوعيون في إستعادة السلطة؟

يقدم ماكاركين تفسيراً سياسياً وفكرياً أكثر عمقاً لهزيمة الحزب الشيوعي.
فبحسب رأيه، نجح الحزب في إستثمار الحنين الشعبي المتزايد إلى الإتحاد السوفياتي، لكنه فشل في تحويل هذا الحنين إلى مشروع مستقبلي مقنع.
ويقول: «لقد إستطاع الحزب إستغلال الحنين إلى الإتحاد السوفياتي إلى أقصى حد، لكنه لم ينجح في تقديم صورة مقنعة للمستقبل المنشود.»
كانت المشكلة الجوهرية، وفق الكاتب، أن الشيوعيين قدموا للناخبين وعداً بالعودة إلى الماضي لا رؤية للمستقبل.
فالماضي السوفياتي لم يكن بالنسبة للمواطن الروسي مجرد ذكريات الإستقرار والضمان الإجتماعي، بل كان أيضاً مرتبطاً بنقص السلع وطوابير الإنتظار والإقتصاد المغلق والقيود السياسية.
ولهذا السبب وجدت الدعاية المؤيدة ليلتسين أرضية خصبة عندما ذكّرت الناخبين بهذه الجوانب السلبية.
ويشير الكاتب إلى أن سكان المدن الروسية خصوصاً لم يكونوا مستعدين للمغامرة بالعودة إلى نموذج إقتصادي وإجتماعي إعتقدوا أنهم تجاوزوه بالفعل.

هل كان ينبغي ليلتسين أن يسمح للشيوعيين بالفوز؟

ينتقل ماكاركين بعد ذلك إلى سؤال إفتراضي يثيره بعض المؤرخين والسياسيين: ماذا لو سمح معسكر يلتسين للشيوعيين بالفوز؟ أليس ذلك كان سيؤسس لتقليد ديمقراطي أوروبي يقوم على التداول السلمي للسلطة؟
ويصوغ الكاتب هذا التصور على النحو التالي: «ربما كان من الأفضل عدم خوض تعبئة إنتخابية واسعة وترك الإنتخابات للشيوعيين، ثم العودة إلى السلطة بعد أربع سنوات عندما تتكشف محدودية سياساتهم الإقتصادية.»
لكن الكاتب يرفض هذه الفرضية أيضاً، مستنداً إلى طبيعة الحزب الشيوعي الروسي ذاته.

الحزب الشيوعي الروسي: إصلاحي أم مشروع إستعادة للماضي؟

يرى ماكاركين أن المقارنة بين الحزب الشيوعي الروسي وبين الأحزاب الشيوعية السابقة التي حكمت في بعض دول أوروبا الشرقية بعد التحول الديمقراطي ليست مقارنة دقيقة.
فأحزاب مثل تلك التي قادها ألكسندر كفاشنيفسكي في بولندا أو ديولا هورن في المجر تحولت إلى قوى إجتماعية ديمقراطية إصلاحية قبل وصولها إلى السلطة.
أما الحزب الشيوعي الروسي، بحسب الكاتب، فكان مختلفاً جذرياً.
ويؤكد: «لقد جمع الحزب منذ البداية الجناح التقليدي داخل الحزب الشيوعي، وهو جناح لم تكن الإنتخابات التنافسية تمثل بالنسبة له قيمة أساسية.»
ومن هذا المنطلق لم يكن إنتصار الحزب الشيوعي عام 1996 مجرد تغيير حكومي عادي، بل كان سيُنظر إليه بإعتباره محاولة للثأر السياسي من أحداث عامي 1991 و1993.

شبح عام 1993: الجرح الذي لم يلتئم

لفهم هذه النقطة لا بد من العودة إلى الأزمة الدستورية الروسية عام 1993، حين إندلع صراع مفتوح بين الرئيس والبرلمان وإنتهى بإستخدام القوة العسكرية داخل موسكو.
يرى ماكاركين أن ذلك الحدث شكّل فاصلاً نفسياً وسياسياً عميقاً داخل النخبة الروسية.
فبالنسبة لكثير من الشيوعيين وأنصارهم، كانت الفترة الممتدة من 1989 إلى 1996 بمثابة إنحراف تاريخي كارثي ينبغي تصحيحه.
ويكتب: «كانت أحداث 1989–1996 بالنسبة للنشاط الشيوعي كارثة شاذة ينبغي التخلص منها بأسرع وقت ممكن.»
ومن ثم فإن فكرة التداول الدوري للسلطة لم تكن جزءاً من رؤية ذلك التيار السياسي
.
السيناريو الأخطر: تأجيل الإنتخابات

ربما تكون أكثر النقاط أهمية في تحليل ماكاركين هي تلك المتعلقة بالبدائل الحقيقية التي كانت مطروحة عام 1996.
فبينما يركز الجدل اللاحق على مسألة التزوير أو النزاهة، يشير الكاتب إلى وجود خطر آخر كان أكثر جدية في ذلك الوقت.
إذ كانت بعض الدوائر الأمنية المقربة من الرئيس تدفع بإتجاه تأجيل الإنتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى بحجة الظروف السياسية والإقتصادية.
ويصف الكاتب هذه المحاولات بأنها: «محاولات متشنجة لنقل الإنتخابات بصورة غير دستورية إلى موعد غير محدد.»
ويعتبر أن إحدى أهم حسنات يلتسين السياسية تمثلت في رفضه هذا الخيار وتمسكه بإجراء الإنتخابات في موعدها.

بين الأسطورة والواقع: كيف ينبغي قراءة إنتخابات 1996 اليوم؟

بعد مرور ثلاثين عاماً، تبدو إنتخابات 1996 أقل وضوحاً مما قد توحي به الروايات المتصارعة حولها.
فهي لم تكن، وفق تحليل أليكسي ماكاركين، عملية ديمقراطية مثالية جرت في ظروف متكافئة، لكنها لم تكن أيضاً عملية سطو إنتخابي كاملة حرمت زيوغانوف من إنتصار مؤكد.
لقد كانت إنتخابات جرت في مرحلة إنتقالية مضطربة، حيث تداخلت فيها قوة الإعلام، ومصالح النخب الإقليمية، ومخاوف المجتمع من العودة إلى الماضي، وصراعات ما بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي.
وفي نهاية المطاف، فإن الجدل المستمر حول تلك الإنتخابات لا يعكس فقط خلافاً حول أرقام أو نتائج، بل يكشف إستمرار الإنقسام حول سؤال أكبر بكثير: هل كانت روسيا في التسعينيات تتجه نحو ديمقراطية تعددية قابلة للحياة، أم أنها كانت تعيش مجرد هدنة مؤقتة بين مشروعين متنافسين على تعريف الدولة ومستقبلها؟
هذا السؤال، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يجعل إنتخابات عام 1996 حاضرة في الذاكرة الروسية حتى اليوم.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن