|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 6 / 29
ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر
25 يونيو/حزيران 2026
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
ما الذي ينقصنا لكي ندرك أخيرًا أن علاقتنا بالغرب قد إنقطعت إلى الأبد؟
وحتى لو لم يكن الأمر كذلك – رغم أنني أعتقد أنه كذلك بالفعل – فإن التعامل مع أسوأ الإحتمالات يتطلب الإستعداد وبذل الجهد، أما إذا لم يتحقق ذلك الأسوأ، فسيكون الخير مكسبًا إضافيًا. أما أن نعوّل على حسن النية من جانب خصم، فذلك لا يجوز بأي حال. فهذا ليس مجرد قصر نظر، بل جريمة.
لقد أثبت الغرب، عبر تاريخه الممتد خلال القرون الأخيرة، أنه يسير بثبات نحو هدفين متلازمين: فرض هيمنة شاملة على البشرية، والإنحدار نحو الهاوية. إنه يسعى إلى سلطة مطلقة وعدمية مطلقة. ونحن، روسيا، نقف في طريق هذا المشروع.
ويبيّن جورج فاروكساكيس، في دراسته لمفهوم «الغرب»، أن هذا المصطلح بمعناه الحالي لم يظهر إلا في القرن التاسع عشر، داخل أوساط الإشتراكيين والماسونيين وأتباع الفيلسوف الوضعي أوغست كومت Auguste Comte، وأنه نشأ في الأصل بوصفه مفهومًا معاديًا لروسيا.
فقد صُوِّر الغرب بإعتباره حصنًا للتقدم والديمقراطية والرأسمالية ومعاداة المسيحية، في مواجهة الإمبراطورية الروسية المحافظة، التي كانت، بعد إنتصارها الحاسم على «الإمبراطور» الماسوني نابليون، تسعى إلى توحيد الممالك المسيحية في مواجهة الثورة.
أما أوغست كومت فقد طرح رؤية معاكسة تمامًا، داعيًا إلى توحيد التقدميين والجمهوريين في جميع الدول الأوروبية – وهو ما كان يسميه «الغرب» – في مواجهة روسيا. ويوضح فاروكساكيس أن الأنغلوساكسون تبنوا هذا المفهوم بسرعة، ليتطور لاحقًا إلى الجيوبوليتيكا عند هالفورد ماكيندر، القائمة على ثنائية «قوة البحر» في مواجهة «قوة البر»، وبالتوازي مع ذلك جرى ربط روسيا بشخصيتي «يأجوج ومأجوج» في الفكر التدبيري البريطاني، ثم الأمريكي.
إن معاداة روسيا لم تبدأ مع الإتحاد السوفياتي، بل كان الإتحاد السوفياتي مجرد حلقة في هذا المسار. ولم تنتهِ هذه العداوة بإنهياره، بل إشتعلت من جديد بقوة أكبر.
الغرب هو، في جوهره، نقيض روسيا.
والغرب هو المسيح الدجال.
إن محاولة إقامة صداقة مع الغرب تشبه محاولة إقامة صداقة مع الشيطان. ألم تسمعوا عن «رئيس هذا العالم» و«إله هذا الدهر»؟ إن الحديث هنا عنهما.
«رئيس هذا العالم» يعني الهيمنة، الهيمنة الكاملة على الكوكب بأسره.
أما «إله هذا الدهر» فيعني السيطرة المطلقة على وعي البشر وأرواحهم.
هذا هو الطرف الذي يقف على الجانب الآخر من خط المواجهة.
أما الأوكرانيون فليسوا، في هذا التصور، سوى شياطين صغار داخل هذه المنظومة، يقبعون في أدنى مراتب ذلك التسلسل الجهنمي.
ولا أحد يعود ليتذكر الأخطاء التي إرتكبناها.
لكننا إرتكبناها طوال القرون الأخيرة من التاريخ الروسي، منذ الإنقسام الكنسي وعهد بطرس الأكبر، وما زلنا نكررها بصورة مأساوية مرة بعد أخرى.
ثم لا يبقى لنا سوى التمتمة قائلين: «لقد خدعونا مرة أخرى».
فلننقل هذه الفكرة إلى المستقبل: سيخدعوننا مرة أخرى.
وهم يعدّون أنفسهم منذ الآن لكيفية تنفيذ ذلك بصورة أشد فاعلية وأشد إيلامًا.
إنهم يبحثون عن الطريقة التي تمكنهم من خداعنا بحيث لا يبقى لنا وجود في النهاية.
لقد سمعنا ما يكفي عن الحديث المتكرر بشأن إلحاق هزيمة إستراتيجية بنا، وهم يعملون الآن لتحقيق ذلك.
ومع ذلك، لا يزال بعض الناس ينتظرون، بقلوب يملؤها الترقب، وصول ويتكوف وكوشنر.
فعندما قرر كوشنر، مع إبنة ترامب، شراء جزيرة ألبانية، خرج ملايين الألبان – وهم في معظمهم موالون للولايات المتحدة – إلى الشوارع إحتجاجًا.
وهم يدركون، بحسب رأي الكاتب، أن كوشنر يريد تلك الجزيرة لمواصلة ما إرتبط بإسم إبستين.
أما نحن، فنبتهج لأن هذا «آكل لحوم البشر» قادم إلينا.
وليس له، في نظر الكاتب، سوى هدف واحد: أن يخدعنا مرة بعد أخرى، ثم مرة أخرى.
لقد إستيقظ حتى الألبان...
أما نحن فما زلنا نائمين.
*****
هوامش
1) أوغست كومت أو كونت (1798–1857) هو فيلسوف وعالم إجتماع فرنسي، يُعد مؤسس الفلسفة الوضعية وأحد الآباء المؤسسين لعلم الإجتماع الحديث، ودعا إلى تفسير المجتمع بالإعتماد على الملاحظة والمنهج العلمي بدلًا من الميتافيزيقا.
كما طرح فكرة أن البشرية تتطور عبر مراحل فكرية متعاقبة، وسعى إلى بناء نظام اجتماعي وسياسي يقوم على العلم والتقدم، وكان لأفكاره تأثير واسع في الفكر الأوروبي خلال القرن التاسع عشر.
2) جورج فاروكساكيس
George Varouxakis
هو باحث يوناني–بريطاني وأستاذ في تاريخ الفكر السياسي، متخصص في تاريخ الأفكار الأوروبية، ولا سيما مفاهيم القومية والهوية وفكرة «الغرب» في الفكر الحديث.
إشتهر بدراساته حول تطور مفهوم «الغرب» في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، مبينًا كيف تشكل هذا المفهوم سياسيًا وثقافيًا عبر سياقات تاريخية محددة، وليس بوصفه مفهومًا ثابتًا عبر العصور.
3) هالفورد ماكيندر
جغرافي وسياسي بريطاني يُعد من مؤسسي الجيوسياسة الحديثة، واشتهر بنظريته عن “قلب الأرض” (Heartland Theory) التي تربط القوة العالمية بالسيطرة على أوراسيا.
قدّم تصورًا مؤثرًا في فهم العلاقات الدولية والصراع بين القوى البرية والبحرية، ولا تزال أفكاره تُستخدم في تحليل الاستراتيجيات الجيوسياسية حتى اليوم.
4) يأجوج ومأجوج في التراث الديني (الإسلامي والمسيحي واليهودي) هما قوم أو جماعتان ذُكرتا في النصوص الدينية كقوى مفسدة ستظهر في آخر الزمان.
يُقدَّمان عادةً كرمز للفوضى والدمار الشديد، وقد ورد ذكرهما في القرآن الكريم في قصة ذي القرنين، وفي الأحاديث النبوية كعلامة من علامات نهاية الزمان.
المقصود بربط “يأجوج ومأجوج” في بعض الكتابات السياسية الغربية (خصوصًا في القراءات الدينية-السياسية القديمة أو التفسيرات الاستعمارية) هو استخدام رمزية دينية/أسطورية للإشارة إلى قوة “خارجة عن النظام” أو “تهديد كاسح قادم من الشرق”.
بكلمات أبسط: يُستعمل المصطلح مجازيًا لتصوير روسيا أو قوى شرقية كـ قوة هائلة، غامضة، ومخيفة يُفترض أنها تهدد النظام الغربي، وليس كفهم ديني حرفي.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |