بين حرب المسيّرات وخيار التصعيد: هل تقف روسيا أمام لحظة الحسم؟

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 28

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


28 حزيران يونيو 2026

قراءة تحليلية في أطروحة غيلبرت دكتورو Gilbert Doctorow حول مستقبل الصراع الروسي الأوكراني

في خضم الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا، ومع تصاعد الجدل حول إتجاهات الصراع وإحتمالاته المستقبلية، طرح الباحث والمحلل الأمريكي المتخصص في الشؤون الروسية "غيلبرت دكتورو" رؤية مثيرة للإهتمام في مقال بعنوان «هل تخسر روسيا الحرب؟» نشره على منصة «Substack» بالإنجليزية. وفي مقاله، يقدم دكتورو قراءة مختلفة لما يجري على الجبهات، متوقفاً عند تباطؤ التقدم الروسي، وتأثير حرب المسيّرات، ودور الدعم الغربي لكييف، وصولاً إلى التساؤل حول الخيارات الإستراتيجية التي تواجهها موسكو في المرحلة المقبلة.
ويعد غيلبرت دكتورو من أبرز الباحثين الأمريكيين المتخصصين في التاريخ الروسي، ويحمل درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا في نيويورك، وإشتهر خلال السنوات الأخيرة بتحليلاته النقدية للروايات الغربية السائدة بشأن الحرب الروسية الأوكرانية.

تباطؤ التقدم الروسي يثير التساؤلات

يستهل دكتورو مقاله بالإشارة إلى التقارير التي نشرتها صحف غربية بارزة، من بينها «فايننشال تايمز» البريطانية و«لو فيغارو» الفرنسية، والتي تناولت حصيلة الهجوم الروسي خلال ربيع عام 2026، مشيرة إلى أن المكاسب الميدانية الروسية كانت محدودة مقارنة بالعام السابق.
ويقول: ««وسائل إعلام كبرى مثل فايننشال تايمز ولو فيغارو تطرح اليوم بقوة سؤالاً حول من يربح الحرب فعلاً ومن يقترب من الهزيمة».»
وبحسب هذه التقارير، فإن القوات الروسية تمكنت خلال شهر مايو من السيطرة على نحو 130 كيلومتراً مربعاً فقط، في حين كانت وتيرة التقدم خلال الفترة ذاتها من العام الماضي أكبر بعشرة أضعاف تقريباً.
وترى هذه التقارير أن السبب الرئيسي لهذا التباطؤ يعود إلى التأثير المتزايد للطائرات المسيّرة الأوكرانية، التي جعلت من الصعب حشد تشكيلات عسكرية كبيرة والتحرك بحرية على خطوط المواجهة.

تفسير آخر لمعركة الإستنزاف

إلا أن دكتورو لا يكتفي بالرواية الغربية، بل يقدم تفسيراً مختلفاً. فهو يرى أن تباطؤ التقدم الروسي لا يعكس بالضرورة ضعفاً عسكرياً، بل يرتبط بتغير الأولويات العملياتية منذ خريف العام الماضي.
ويكتب: ««منذ أكتوبر الماضي ركزت القوات الروسية جهودها ليس على التقدم عبر الحقول المفتوحة، بل على السيطرة على كونستانتينوفكا، التي تشكل البوابة نحو كراماتورسك وسلافيانسك، آخر المدن المحصنة الكبرى في دونيتسك».»
ويرى أن المعارك داخل هذه المنطقة كانت مكلفة للطرفين، لكنها تفسر جزئياً محدودية المكاسب الإقليمية المسجلة خلال الأشهر الأخيرة.

حرب المسيّرات تغير قواعد اللعبة

ويعتبر دكتورو أن التطور الأبرز في الحرب يتمثل في التحول المتزايد نحو إستخدام الطائرات المسيّرة، معتبراً أن هذا النوع من السلاح أصبح «المعادِل الأكبر» الذي أعاد صياغة ميزان القوى التقليدي.
ويقول: ««يكفي لأوكرانيا إمتلاك ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف مشغل للطائرات المسيّرة لمواجهة نصف مليون جندي روسي منتشر في إطار العملية العسكرية الخاصة».»
ويضيف أن التفوق العددي التقليدي لم يعد يملك الأهمية نفسها التي كان يتمتع بها في الحروب السابقة، وأن التكنولوجيا الحديثة باتت قادرة على تعويض النقص في القوى البشرية.
كما يذهب إلى أن الخسائر البشرية الضخمة التي تكبدتها أوكرانيا، سواء بسبب القتلى أو الجرحى أو حالات الفرار، لم تعد تحمل التأثير الحاسم نفسه في ظل التغيرات التي فرضتها حرب المسيّرات.

التشكيك في الرواية الغربية

ومن النقاط التي يتوقف عندها دكتورو ما يعتبره جانباً آخر من «الدعاية الغربية»، والمتمثل في تصوير التفوق الأوكراني في مجال الطائرات المسيّرة على أنه نتاج محلي خالص.
ويقول: ««الرواية الغربية تؤكد أن النجاح الأوكراني هو حصيلة براعة المهندسين والمصنعين الأوكرانيين الذين يتقدمون بخطوات على الروس».»
لكنه يشير في المقابل إلى أن طبيعة الحرب والرقابة العسكرية الصارمة تجعل من الصعب الوصول إلى معلومات موثوقة، مضيفاً: ««ضباب الحرب والرقابة العسكرية يحولان دون إمتلاك صورة كاملة وموثوقة».»
ويرجح دكتورو أن يكون التفوق النوعي الذي حققته كييف مرتبطاً بالحصول على كميات كبيرة من الطائرات المسيّرة الحديثة والمتطورة من بريطانيا ودول أخرى في حلف شمال الأطلسي.

السؤال الأكثر حساسية

ويصل دكتورو في الجزء الأخير من مقاله إلى النقطة الأكثر إثارة للجدل، حين يتساءل عما إذا كانت روسيا مستعدة للإنتقال إلى مستوى جديد من التصعيد.
ويطرح السؤال التالي: ««هل ستستخدم روسيا صواريخها فرط الصوتية لضرب مصانع إنتاج الطائرات المسيّرة في بريطانيا وفرنسا والدنمارك والسويد وغيرها من الدول الأوروبية؟»»
ويرى أن احغتمال تحول مثل هذه الضربات إلى حرب شاملة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي يبقى محدوداً للغاية، بل يذهب إلى القول: ««إن خطر التصعيد إلى مواجهة واسعة بين روسيا والناتو سيكون صفراً».»
ويبرر ذلك بقناعته بأن أوروبا ليست مستعدة حالياً لخوض حرب مباشرة مع روسيا، وأنه ليس من الواضح ما إذا كانت ستتمكن من تحقيق ذلك خلال السنوات المقبلة.

بوتين أمام قرار إستراتيجي

في نهاية المطاف، يعتبر دكتورو أن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بالمعارك الدائرة في أوكرانيا، بل بالقرار السياسي الذي ستتخذه موسكو بشأن طبيعة المرحلة المقبلة.
ويقول: ««هذا هو السؤال الرئيسي في يومنا هذا».»
وبحسب رؤيته، فإن روسيا تمتلك القدرة على تغيير البيئة الأمنية الأوروبية وفرض وقائع جديدة، لكن ذلك يتوقف على إستعداد القيادة الروسية للإنتقال من سياسة الإحتواء والتدرج إلى خيارات أكثر حسماً.

رؤية مثيرة للجدل في حرب تتغير ملامحها

ورغم الطابع الحاد لبعض إستنتاجات غيلبرت دكتورو، فإن مقاله يعكس جانباً من النقاش الدائر داخل بعض الأوساط التحليلية الغربية حول طبيعة الحرب الروسية الأوكرانية، وحدود الإستراتيجيات الحالية، وتأثير الثورة التكنولوجية التي فرضتها الطائرات المسيّرة على موازين القوى التقليدية.
كما يسلط الضوء على التحول المتزايد من حروب المناورة الكلاسيكية إلى حروب الإستنزاف التكنولوجي، حيث لم يعد التفوق العددي أو التفوق الناري وحدهما كافيين لتحقيق الحسم.
وفي ظل إستمرار الحرب وتزايد الإنخراط الغربي في دعم أوكرانيا، يبقى السؤال الذي يطرحه دكتورو مفتوحاً: هل ستواصل موسكو نهجها الحالي، أم أن القيادة الروسية ستختار تغيير قواعد اللعبة بصورة أكثر جذرية؟

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن