|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زيد نائل العدوان
2026 / 6 / 26
شرع أغسطس في حكم مصر منذ عام 30 قبل الميلاد؛ فقام بإجراء إصلاحات عدة واتخذ قرارات مختلفة كي يسهم في تطوير مصر القديمة وإخراجها من المشاكل التي كانت بها، ولكن وقبل البدء بأي قرار وبأي إصلاح، فإن أول ما قام به هو أنه أمر بتحطيم جميع تماثيل خصمه ومناوئه السابق وهو أنطونيوس (مارك انتوني)؛ حيث كان يربو عدد هذه التماثيل إلى ما يقارب الخمسين تمثالًا؛ إذ كان من الضرر إبقاء هذه التماثيل منصوبة في الطرق والساحات العامة.
ومما يروى عن أغسطس، أنه كان رجلًا متقشفًا، سواء في حياته الخاصة أو في شؤون عمله كامبراطور؛ وهذا التقشف من الممكن إرجاعه إلى نظرة اقتصادية حكيمة؛ ذلك أن التقشف في العصر الذي وُجِدَ أغسطس فيه كان مطلوبًا، إذ كانت حدود الإمبراطورية الرومانية واسعة جدًا، فمن بريطانيا شمالًا، وحتى السودان جنوبًا، ومن العراق شرقًا حتى المغرب واسبانيا غربًا، كانت حدود هذه الإمبراطورية تمتد بشكل هائل؛ لذلك كان من الواجب على امبراطور مثله أن يقوم بالحد من النفقات الغير ضرورية والتي لا تجلب إلا المشاكل الاقتصادية لبلده.
وكان من الأمور التي اتبعها أغسطس في حكمه للبلدان المختلفة، أنه يعين ولاة متعددين ومختلفين من خلفيات تنحدر من عائلات متواضعة، فأغسطس؛ كان يرى أن جلب أشخاص عاديين لمناصب عليا يضمن ولاءهم للامبراطور نفسه؛ إذ هم بهذه الحالة سيتذكرون دومًا وأبدًا الفضل الذي أنعم به الامبراطور عليهم، فلا ينسونه ولا يخرجون عليه في يوم من الأيام، ولذلك، أتى أغسطس بكورنيوس غالوس لحكم مصر؛ والذي بدوره ينحدر من عائلة ذات خلفية اقتصادية متواضعة.
وقبل انتهاء عهد الجمهورية -والذي بدأ قبل صعود أغسطس للعرش الروماني واستمر حتى خليفته السابق وهو يوليوس قيصرِ-؛ صار مجلس الشيوخ يقوم باحتكار تعيين مناصب قيادة المقاطعات والولايات المختلفة في أعضائه فقط؛ وكان الهدف من هذا الأمر هو ضمان ولاء قائد المقاطعة لمجلس الشيوخ؛ إذ أنه كانت هنالك مشاكل ما بين الامبراطور أغسطس ومجلس الشيوخ، فكان كلا منهما يتنازعان حول الصلاحيات التي تكون عادةً معطاة لإحدى الطرفين، فأغسطس كان يرى أن مجلس الشيوخ يريد أن يسلب منه السلطة والتي اكتسبها بعرق جبينه وبكده وتعبه، ومجلس الشيوخ كان يرى أن أغسطس يقوم بكسر المواثيق والبروتوكولات السياسية باعتداءه على صلاحيات مجلس الشيوخ والذي كان منذ قديم الزمان وغابرها يمارس صلاحياته.
ولكن، ومع ذلك، كانت العلاقة بين أغسطس ومجلس الشيوخ تتسم أحيانًا بالهدوء وتبتعد عن العصبية والتوتر، فأغسطس رغم كون إرادته تتجه لاحتكار صلاحياته في يده وحده، ورغم أنه كان يعد (دكتاتورًا) يمارس صلاحياته دون الرجوع إلى مجلس الشيوخ أحيانًا، إلا أنه كان يتوقف أحيانًا عن صدام مجلس الشيوخ، ويقوم بمداراة هذه المجلس، وبالتالي، ولهذا السبب بالذات، قام مجلس الشيوخ بإعطاء أغسطس صلاحيات تعيين قادة المقاطعات والتي أعطاها بالفعل لرجال من الطبقة العادية.
إذ كان هنالك خلاف فيما بين أغسطس ومجلس الشيوخ، وذلك حول خلفية قادة الولايات والمقاطعات؛ إذ كان أغسطس يرى أن تعيين أشخاص من خلفيات متواضعة تضمن له الولاء والانتماء من قبلهم، فيمنع الثورات والمشاكل؛ خصوصًا أن الإمبراطورية الرومانية كانت في ذلك الوقت متسعة جدًا وهائلة الحدود وكانت أي مشكلة تسبب شرخًا في الإمبراطورية، ولذلك رأى أغسطس تعيين قادة من خلفيات متواضعة، بينما بالنسبة لمجلس الشيوخ فقد رأوا أن تعيين قادة من خلفيات متواضعة سيسهم في زيادة الثورات والمشاكل في أرجاء الإمبراطورية؛ ذلك أنهم قد يطمعون بالحكم أو بصلاحيات أوسع، بينما تعيين قادة من خلفيات أرستقراطية فضلها مجلس الشيوخ؛ لإنهم بذلك يضمنون ولائهم لمجلس الشيوخ نفسه، مبتعدين بذلك عن أغسطس، ولإنه بالوقت ذاته لن يطمع هؤلاء القادة بصلاحيات أوسع؛ فهم من عوائل تتوارث السلطة أصلًا، مما سيقلل من إمكانية نشوب خلافات بالمستقبل.
إذًا، نرى أن الخلاف بين أغسطس وبين مجلس الشيوخ كان يتمحور حول تعيين قادة للولايات والمقاطعات المختلفة والموزعة على أرجاء الإمبراطورية الواسعة، وكان هذا الخلاف ليتوسع لولا تدخل رجال حكماء رومان والعمل على الوصول إلى حل سلمي وسطي بين مجلس الشيوخ وبين الإمبراطور، فمثل هذه الخلافات من الممكن أن توسع الشرخ ومن الممكن أن تتحول لمشاكل كثيرة لا يمكن إطفاء نارها في حال شبت هذا النار عاليًا؛ وذلك مثل المشاكل التي كانت بين مجلس الشيوخ وبين يوليوس قيصر؛ إذ تنبه الرومان لأهمية هذا الأمر، وقاموا فيما بعد بإخماد جميع الفتن والنزاعات التي من الممكن أن تثور فتؤثر على الإمبراطورية الرومانية بشكل سلبي.
إلا أن هذا لا يمنع أنه بعد أغسطس اشتعلت الخلافات بين الأباطرة الرومان أنفسهم من جهة، وبينهم وبين مجلس الشيوخ من جهة أخرى، وبينهم وبين العسكر الروماني من جهة أخرى؛ إذ كان أساس الخلافات والمشاكل دومًا وأبدًا هي السلطة؛ أي الصلاحيات الممنوحة لجهة معينة والتي بموجبها تمكنها من إعلان الحرب وعقد معاهدات السلام وجباية الضرائب...الخ من الصلاحيات الإدارية المختلفة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |