|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 6 / 26
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
قراءة تحليلية في مونولوغ تاكر كارلسون حول حرب إيران والتحولات الكبرى في الشرق الأوسط
من هو تاكر كارلسون؟
يُعد تاكر كارلسون واحداً من أكثر الإعلاميين الأمريكيين تأثيراً وإثارة للجدل خلال العقدين الأخيرين. بدأ مسيرته الصحفية في الصحافة المكتوبة قبل أن ينتقل إلى التلفزيون، حيث أصبح أحد أبرز الوجوه الإعلامية المحافظة في الولايات المتحدة. إشتهر بأسلوبه الصدامي وقدرته على طرح أسئلة محرجة للمؤسسة السياسية الأمريكية بشقيها الجمهوري والديمقراطي، كما تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز المنتقدين للسياسات التدخلية الأمريكية والحروب الخارجية.
وفي خضم هذا التحول اللافت، جاء مونولوغ تاكر كارلسون الأخير حول مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية ليُشكّل قمة في إعادة تموضعه السياسي. فقد وصف الإتفاق بأنه «خسارة مذلة» للولايات المتحدة و«إنتصار نسبي» لإيران، متهماً «المحافظين الجدد» بجرّ ترامب إلى حرب لم تخدم المصالح الأمريكية، ومنتقداً بشدة إستغلال إسرائيل للصراع من أجل أهدافها في لبنان. وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن كارلسون صراحة خروجه عن دعم الحزب الجمهوري، قائلاً إنه «لم يعد هناك ما يمكن الدفاع عنه» بعد أن وضع الحزب مصالح دولة أجنبية فوق مصالح الشعب الأمريكي. هذا الموقف، الذي يجمع بين «أمريكا أولاً» المتشددة وبين نقد حاد للتحالف غير المتكافئ مع إسرائيل، يعكس ليس فقط إبتعاداً عن ترامب، بل أيضاً تحولاً أعمق في أوساط اليمين الشعبوي نحو قومية دفاعية تنأى بنفسها عن التدخلات الخارجية المكلفة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تخلياً كاملاً عن مخاوفه الحضارية التقليدية تجاه الإسلام والهجرة.
وفي برنامجه الذي بثه عقب التسريبات المتعلقة بإتفاق إنهاء الحرب مع إيران، قدّم كارلسون مونولوغاً مطولاً تجاوز في أهميته مجرد التعليق السياسي اليومي، ليصبح أشبه بمرافعة فكرية متكاملة ضد مجمل الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
ما يلفت الإنتباه في حديثه ليس فقط موقفه من الحرب الأخيرة، بل محاولته تقديم تفسير أوسع لما يعتبره تحولاً تاريخياً في ميزان القوى الإقليمي والدولي.
الحرب التي إنتهت بعكس أهدافها
ينطلق كارلسون من فرضية مركزية مفادها أن الحرب التي شُنت بهدف إضعاف إيران إنتهت إلى نتيجة معاكسة تماماً.
فمنذ اللحظة الأولى، يؤكد أن الوثيقة المسرّبة – إذا كانت صحيحة – لا تشبه بأي حال إتفاق إستسلام لدولة مهزومة، بل تبدو أقرب إلى إتفاق إعتراف متبادل بين قوتين إضطرت إحداهما إلى التسليم بحدود قدرتها على فرض إرادتها بالقوة.
ويقول في واحدة من أكثر عباراته دلالة: ««هذا ليس إنتصاراً أمريكياً، بل إعتراف أمريكي بالواقع.»»
ومن هنا يبدأ تفكيك بنود الإتفاق بنداً بنداً.
لبنان... من ساحة مواجهة إلى ملف تفاوض
أولى الملاحظات التي يركز عليها كارلسون تتعلق بلبنان.
ففي الوقت الذي كانت الحرب تُسوّق للرأي العام الأمريكي بإعتبارها وسيلة للقضاء على النفوذ الإيراني في المنطقة، يجد أن الإتفاق ينص على إنسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية ووقف العمليات العسكرية.
في نظره، تكمن أهمية هذا البند في أنه لا يتحدث عن نزع سلاح المقاومة اللبنانية ولا عن تغيير التوازنات الداخلية اللبنانية، بل عن إنهاء العمليات العسكرية وعودة الوضع إلى مسار سياسي تفاوضي.
ويعتبر أن ذلك يمثل تراجعاً واضحاً عن الأهداف المعلنة للحرب.
مضيق هرمز... مركز الثقل الحقيقي
الجزء الأكثر أهمية في قراءة كارلسون يتعلق بمضيق هرمز.
فهو يرى أن فهم الإتفاق لا يبدأ من الصواريخ ولا من الملف النووي، بل من الجغرافيا.
فالمضيق الذي تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية يتحول في الوثيقة إلى ملف تتولى إيران وسلطنة عمان إدارته بصورة مباشرة.
ويقول: ««طوال حياتكم تقريباً كانت الولايات المتحدة القوة الفعلية المهيمنة على الخليج، لكن ذلك لم يعد قائماً.»»
هنا يطرح كارلسون فكرة محورية مفادها أن النفوذ الحقيقي لا يقاس بعدد حاملات الطائرات فقط، بل بالقدرة على التحكم في الممرات الإقتصادية الحيوية.
ومن هذه الزاوية يرى أن إيران خرجت من الحرب بإعتبارها شريكاً أساسياً في إدارة أحد أهم الشرايين الإقتصادية في العالم.
من العقوبات إلى التنمية
إذا كان البعد الجيوسياسي مهماً، فإن البعد الإقتصادي يبدو أكثر إثارة.
فالإتفاق، بحسب الوثيقة التي يناقشها كارلسون، لا يتحدث فقط عن رفع العقوبات، بل عن تأسيس صندوق تنمية وإعمار بقيمة لا تقل عن ثلاثمئة مليار دولار.
ويعترف كارلسون بأنه إعتقد في البداية أن هذا البند مجرد إشاعة أو دعاية مضللة.
لكنه بعد ظهور النصوص المتطابقة في أكثر من مصدر بدأ يتعامل معه بجدية.
ويقول: ««عندما قرأت الرقم أول مرة ظننته خيالاً سياسياً.»»
بالنسبة له، لا تكمن أهمية الرقم في حجمه فقط، بل في دلالته السياسية.
فالدولة التي كانت تُقدَّم طوال أربعة عقود بإعتبارها عدواً إستراتيجياً تتحول فجأة إلى دولة يجري الحديث عن تنميتها وإعادة دمجها في الإقتصاد العالمي.
العقوبات... الحرب بصيغة أخرى
من أبرز محاور حديث كارلسون هجومه على سياسة العقوبات.
فهو يرفض النظر إليها بإعتبارها أداة ضغط سلمية، ويرى أنها شكل من أشكال الحرب الإقتصادية.
ويقول: ««العقوبات ليست بديلاً أخلاقياً للحرب، بل هي حرب بطريقة مختلفة.»»
ومن وجهة نظره فإن العقوبات لم تحقق الأهداف المعلنة منها، بل ساهمت في دفع دول عديدة إلى البحث عن بدائل للنظام المالي الأمريكي.
وبالتالي فإن رفعها عن إيران لا يمثل فقط مكسباً لطهران، بل إعترافاً ضمنياً بفشل سياسة إستمرت عقوداً.
الملف النووي... القضية التي تراجعت إلى الخلف
واحدة من أكثر ملاحظات كارلسون إثارة للإهتمام هي أن البند المتعلق بالسلاح النووي يأتي متأخراً في ترتيب الإتفاق.
فالرواية الرسمية للحرب كانت دائماً أن القضية الجوهرية هي منع إيران من إمتلاك السلاح النووي.
لكن ظهور هذا الملف في المرتبة الثامنة تقريباً من بنود الإتفاق يدفعه إلى التساؤل:
هل كان البرنامج النووي فعلاً هو القضية الأساسية؟
أم أنه كان مجرد عنوان سياسي لحسابات إستراتيجية أوسع؟
ويقول: ««إذا كان هذا هو سبب الحرب، فلماذا لا يظهر إلا بعد كل هذه الملفات الجيوسياسية والإقتصادية؟»»
إيران من دولة معزولة إلى قوة طبيعية
في قراءة كارلسون، فإن أخطر ما في الإتفاق بالنسبة لخصوم إيران هو أنه يعامل الجمهورية الإسلامية بإعتبارها دولة طبيعية.
فالوثيقة تتحدث عن:
- تصدير النفط بحرية.
- المعاملات البنكية.
- التأمين والنقل.
- الإفراج عن الأموال المجمدة.
- رفع العقوبات.
أي أنها تعيد إيران إلى النظام الإقتصادي العالمي بوصفها شريكاً لا منبوذاً.
ويختصر ذلك بقوله: ««الإتفاق يعامل إيران كقوة دولية، لا كدولة مارقة.»»
هل خسرت الولايات المتحدة الحرب؟
هنا يصل كارلسون إلى أكثر إستنتاجاته إثارة للجدل.
فهو يرى أن الوثيقة لا تحتوي على أي من الأهداف التي أعلنتها واشنطن عند بداية الحرب.
لم يتحقق:
- تغيير النظام.
- إنهاء النفوذ الإقليمي الإيراني.
- تفكيك البنية السياسية للجمهورية الإسلامية.
- القضاء على شبكة الحلفاء الإقليميين.
وفي المقابل، حصلت إيران على:
- رفع الحصار.
- رفع العقوبات.
- إستعادة الأموال.
- العودة إلى سوق النفط.
- الإعتراف بدورها الإقليمي.
لذلك يصف النتيجة بأنها: ««هزيمة سياسية أمريكية أكثر منها تسوية عسكرية.»»
من السويس إلى الخليج
أحد أكثر المقاطع عمقاً في المونولوغ هو المقارنة التاريخية التي يجريها بين ما حدث اليوم وبين أزمة السويس عام 1956.
فكما كشفت أزمة السويس حدود القوة البريطانية رغم إمتلاك لندن آنذاك جيشاً وإمبراطورية واسعة، يرى كارلسون أن الحرب مع إيران كشفت حدود القوة الأمريكية.
الفكرة هنا ليست أن الولايات المتحدة أصبحت دولة ضعيفة.
بل أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لفرض النتائج السياسية المرغوبة.
ويقول: ««القضية ليست حجم الجيش، بل القدرة على فرض النتيجة السياسية المطلوبة.»»
نتنياهو وصدمة الحرب
في القسم الثاني من المونولوغ يتحول تركيز كارلسون نحو إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو.
ويرى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل الحرب معتقداً أنها ستكون سريعة وحاسمة.
لكن مع تطور الأحداث إكتشف أن الوعود التي قُدمت له لم تكن واقعية.
ومن هنا يفسر التوتر المتزايد بين ترامب ونتنياهو.
ويستشهد بتصريحات ترامب التي إنتقد فيها بعض العمليات الإسرائيلية في لبنان، معتبراً أن مجرد صدور مثل هذه الإنتقادات العلنية يمثل تحولاً غير مألوف في العلاقة بين الطرفين.
السؤال المحرّم
يصل كارلسون لاحقاً إلى السؤال الذي يعتبره جوهر النقاش كله: ««بأي معنى تُعد إسرائيل حليفاً للولايات المتحدة؟»»
وهو لا يجيب عن السؤال بصورة مباشرة، بل يستخدمه لإعادة فتح نقاش أوسع حول كلفة التحالفات الخارجية على الولايات المتحدة.
في رأيه، ينبغي أن تُقاس التحالفات وفق معيار المصلحة الوطنية المتبادلة لا وفق المسلمات الأيديولوجية.
غزة وتغيّر المزاج الأمريكي
في نهاية المونولوغ ينتقل كارلسون إلى ملف غزة.
ويرى أن الحرب هناك أحدثت تحولاً عميقاً في الرأي العام الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً.
فبحسب تقديره، فإن تدفق الصور والمعلومات عبر وسائل التواصل الإجتماعي جعل من الصعب على المؤسسات السياسية والإعلامية المحافظة على الروايات التقليدية دون مساءلة.
ويقول: ««المشكلة ليست فقط ما حدث، بل أن الناس أصبحوا يعرفون ما حدث.»»
ومن هنا يتوقع أن تنعكس هذه التغيرات مستقبلاً على النقاش السياسي الأمريكي حول المساعدات الخارجية والسياسة الشرق أوسطية.
نهاية مرحلة أم بداية أخرى؟
في جوهره، لا يدور مونولوغ تاكر كارلسون حول إيران وحدها، ولا حول إسرائيل وحدها، ولا حتى حول حرب بعينها.
إنه محاولة لتفسير ما يعتقد أنه نهاية حقبة كاملة من السياسة الخارجية الأمريكية.
حقبة قامت على إفتراض أن الولايات المتحدة قادرة على:
- تغيير الأنظمة بالقوة.
- إعادة رسم خرائط المنطقة.
- فرض ترتيبات سياسية جديدة عبر التدخل العسكري.
أما الرسالة التي يحاول إيصالها في النهاية فهي أن العالم يتغير، وأن موازين القوة لم تعد كما كانت بعد الحرب الباردة.
سواء إتفق المرء مع إستنتاجات كارلسون أم إختلف معها، فإن أهمية هذا المونولوغ لا تكمن في موقفه من إيران أو إسرائيل فقط، بل في كونه يعكس إتجاهاً متنامياً داخل قطاعات من النخبة الأمريكية المحافظة بات يشكك في جدوى الحروب الخارجية، وفي قدرة القوة العسكرية الأمريكية على إنتاج النتائج السياسية التي كانت تُعد بديهية في الماضي.
وفي هذا المعنى، يمكن قراءة حديث كارلسون بإعتباره ليس مجرد تعليق على حرب إنتهت، بل محاولة لرسم ملامح النظام الإقليمي والدولي الذي قد يولد من تحت أنقاضها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |