|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

هاشم معتوق
2026 / 6 / 24
عبقرية الرواية الحديثة بين سحر الأدب ومأساة التاريخ
في تاريخ الأدب العالمي أسماءٌ قليلة استطاعت أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في فهم الإنسان لنفسه، وأن تغيّر مسار الرواية كما غيّر كبار العلماء مسار العلوم. ومن بين هذه الأسماء يقف الكاتب النرويجي كنوت هامسون (Knut Hamsun) شامخًا بوصفه أحد أعظم المبدعين الذين أنجبتهم أوروبا الحديثة، وأحد أكثر الكتّاب تأثيرًا في تطور الرواية النفسية والحداثية في القرن العشرين. لقد كان كاتبًا سبق عصره بعقود، ورأى في أعماق النفس الإنسانية ما لم يره معظم معاصريه، فحوّل الرواية من مرآة للمجتمع إلى مرآة للروح، ومن سجلّ للأحداث إلى مختبرٍ للوعي الإنساني.
وإذا كان تاريخ الأدب يعرف عباقرة كثيرين، فإن هامسون ينتمي إلى فئة نادرة من الكتّاب الذين لا يكتفون بإتقان الفن، بل يعيدون تعريفه من أساسه. فقد ظهر في لحظة كانت الرواية الأوروبية فيها غارقة في الواقعية والوصف الخارجي والتحليل الاجتماعي، فجاء ليعلن أن الإنسان أعمق من طبقته الاجتماعية، وأغنى من ظروفه الاقتصادية، وأكثر تعقيدًا من أن يُختزل في شبكة من العلاقات والأحداث. كان يرى أن الرواية الحقيقية تبدأ حين يدخل الكاتب إلى المناطق المظلمة من النفس، حيث تتصارع الرغبات والذكريات والهواجس والأحلام والخيبات في صمتٍ لا يسمعه إلا الفن العظيم.
ولد كنوت هامسون، واسمه الأصلي كنوت بيدرسن (Knut Pedersen)، سنة 1859 في النرويج، ونشأ في بيئة ريفية فقيرة وقاسية تركت آثارها العميقة في تكوينه النفسي والفكري. لم يعرف حياة الرفاه أو الاستقرار، بل عرف العمل المبكر والتشرد والتنقل والحرمان. وقد عمل في مهن شاقة ومتنوعة، فعرف الفلاحين والعمال والحرفيين والمتشردين، وعاشر الفقر لا بوصفه موضوعًا أدبيًا بل بوصفه تجربة شخصية يومية. ومن هنا جاءت كتاباته مشبعة بصدق التجربة وقوة المعاناة وحرارة الحياة نفسها.
ولم يكن هامسون ابن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، بل كان ابن القراءة الحرة والتجربة المباشرة. قرأ بنهمٍ واسع، وتأثر بعمالقة الفكر والأدب الأوروبي، لكنه سرعان ما تجاوز أساتذته ليصنع صوته الخاص. فقد أدرك مبكرًا أن الإنسان ليس ذلك الكائن العقلاني البسيط الذي تصوره الفلسفات التقليدية، وإنما كائن غامض ومتناقض، تحركه دوافع خفية أكثر مما تحركه الأفكار المعلنة، وتشكله أحلامه وهواجسه بقدر ما تشكله وقائع حياته.
ومن هنا بدأت ثورته الأدبية الكبرى. عندما نشر روايته الشهيرة «الجوع» (Hunger – Sult) سنة 1890 لم يكن يقدم مجرد قصة عن كاتب فقير يعاني الجوع في مدينة كبيرة، بل كان يفتح بابًا جديدًا في تاريخ السرد الإنساني كله. ففي هذه الرواية لا تكمن الأهمية في الأحداث، بل في حركة الوعي ذاته. الجوع هنا ليس جوع المعدة فحسب، بل جوع الروح والكرامة والمعنى والاعتراف. والبطل لا يصارع العالم الخارجي بقدر ما يصارع نفسه. تتدفق الأفكار والانفعالات والهذيانات والذكريات في نسيج سردي مدهش يجعل القارئ يعيش داخل العقل الإنساني بكل اضطرابه وتناقضاته.
لقد كانت «الجوع» إعلانًا مبكرًا عن ولادة الرواية النفسية الحديثة، ولذلك رأى كثير من النقاد أن جيمس جويس (James Joyce) وفرجينيا وولف (Virginia Woolf) وفرانتس كافكا (Franz Kafka) مدينون، بدرجات متفاوتة، للثورة الفنية التي أحدثها هامسون في هذه الرواية الفريدة.
ثم جاءت رواياته اللاحقة مثل «الأسرار» (Mysteries – Mysterier) و«بان» (Pan) لتؤكد أن ما حدث لم يكن مصادفة عابرة، بل مشروعًا أدبيًا متكاملًا. ففي «الأسرار» يغوص هامسون في أعماق الشخصية الإنسانية بوصفها لغزًا لا ينتهي، ويقدم صورة للإنسان بوصفه كائنًا متعدد الوجوه، لا يمكن القبض على حقيقته النهائية. أما في «بان» فقد بلغ أسلوبه درجة عالية من الصفاء الشعري، حيث امتزج الإنسان بالطبيعة حتى بدت الغابات والبحيرات والجبال شريكة في المشاعر والمصائر.
ومع مرور السنوات أخذ مشروع هامسون يزداد نضجًا واتساعًا حتى بلغ ذروته في رواية «ثمار الأرض» (Growth of the Soil – Markens Grøde)، العمل الذي منح صاحبه مكانة خالدة في تاريخ الأدب العالمي. في هذه الرواية الملحمية يقدم صورة عميقة للعلاقة بين الإنسان والأرض، بين العمل والطبيعة، بين الكفاح والوجود. إنها رواية تحتفي بالقوة الخلاقة الكامنة في الإنسان البسيط، ذلك الإنسان الذي يبني العالم بيديه ويستمد معناه من العمل والإنتاج والصبر.
ولم تكن «ثمار الأرض» مجرد نجاح أدبي؛ لقد كانت حدثًا ثقافيًا عالميًا دفع الأكاديمية السويدية إلى منح هامسون جائزة نوبل للآداب (Nobel Prize in Literature) سنة 1920 تقديرًا لعبقريته الفنية وإسهامه الاستثنائي في تطوير فن الرواية. وقد رأت الأكاديمية فيه كاتبًا استطاع أن يجمع بين العمق النفسي والاتساع الملحمي واللغة الشعرية والرؤية الإنسانية الشاملة.
وتكمن عظمة هامسون الحقيقية في أنه لم يكتب عن الإنسان من الخارج، بل من الداخل. لم يكن مهتمًا بتصنيف البشر أو إصدار الأحكام عليهم، بل بمحاولة فهمهم. ولذلك تبدو شخصياته حية حتى اليوم؛ لأنها شخصيات تنبض بالضعف والقوة، بالحب والكراهية، بالإيمان والشك، بالبطولة والانكسار. إنها شخصيات تشبه الإنسان الحقيقي كما نعرفه في أعماقنا لا كما تصوره النظريات المجردة.
وقد امتد تأثيره إلى أجيال كاملة من الكتّاب. فقد وجد فيه توماس مان (Thomas Mann) نموذجًا للمجدد الكبير، وتأثر به هرمان هِسّه (Hermann Hesse) في بحثه عن الروح الإنسانية، واستلهم منه إرنست همنغواي (Ernest Hemingway) دقة التعبير وقوة الاقتصاد اللغوي، ورأى فيه هنري ميلر (Henry Miller) أحد أعظم من كتبوا عن التجربة الإنسانية في القرن العشرين.
غير أن حياة هامسون لم تكن قصة مجدٍ خالص. ففي سنواته الأخيرة ارتبط اسمه بمواقف سياسية أثارت جدلًا واسعًا بسبب تأييده لألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد أدى ذلك إلى سقوط مكانته الأخلاقية في نظر كثيرين، وفتح نقاشًا لم ينتهِ حتى اليوم حول العلاقة بين القيمة الفنية للفنان ومواقفه السياسية. وهكذا أصبحت سيرته إحدى أكثر السير تعقيدًا في تاريخ الثقافة الحديثة؛ إذ اجتمع فيها الإبداع الرفيع والخطأ التاريخي الجسيم في صورة واحدة.
ومع ذلك فإن الزمن الأدبي كثيرًا ما يختلف عن الزمن السياسي. فبينما تبقى المواقف السياسية أسيرة لحظتها التاريخية، تظل الأعمال العظيمة قادرة على عبور الأجيال. ولهذا استمر حضور هامسون في الجامعات والمعاهد والدراسات النقدية في مختلف أنحاء العالم، بوصفه أحد المؤسسين الكبار للرواية الحديثة، وأحد أعمق المستكشفين لأسرار النفس البشرية.
إن كنوت هامسون ليس مجرد روائي نرويجي كبير، ولا مجرد حائز على جائزة نوبل، بل هو ظاهرة أدبية عالمية غيرت شكل الرواية ومسارها. لقد منح الأدب لغة جديدة للتعبير عن القلق الإنساني، وفتح أبوابًا لم تكن مطروقة في استكشاف الوعي، وأثبت أن أعظم المغامرات ليست تلك التي تجري في البحار والجبال، بل تلك التي تجري في أعماق الروح البشرية.
ولهذا يبقى هامسون، رغم كل ما أثير حوله من جدل، واحدًا من العمالقة الذين لا يمكن كتابة تاريخ الأدب الحديث من دونهم، وأحد الأصوات النادرة التي استطاعت أن تكشف هشاشة الإنسان وعظمته في آنٍ واحد، وأن تجعل من الرواية فنًا قادرًا على سبر أغوار النفس كما لم يفعل أي فن آخر.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |