رغبة ارتحال الى البقعة النائية من الروح

أمين أحمد ثابت
2026 / 6 / 23

رغبة (1)
في آخر الممر حيث
تكدست الأعوام فيه
كعربات صدئة على طريق مهجور
، كظل معطف يحاول نزعه
، كانت قد حاكته الانتظارات
. . بخيوط من الغبار
- كأن العمر لم يكن سوى حائط مليء بصور مؤجلة
، وجوه خرجت عن المواعيد قبل وصولها
، نوافذ ظلت مفتوحة لعواصف لم تقترب
، واحاديث عدالة متناقلة عبر دهور في طريقها
ضاعت في طريقها بين المسافات
* * *
كان يريد ترك خلفه
ذلك الحشد الخفي
من النسخ التي صنعتها الآخرين في العقول
، الأصدقاء
، الخصوم
، والذين وزعوا الأدوار على النفوس
كما يوزع السجان المعتقلين على أرقام الزنازن
، ونسخة الأيام الموجعة
التي وضعت ختمها البلاد
* * *
كان يريد يخرج من جلده القديم
كما تخرج الاشجار من حريق طويل
، لا تحمل معها سوى اسرار الاخضرار
والرماد لا يتذكره احد
- يخرج -
أن تتساقط عنه احراز الإيمان
التي رسمتها الأيدي المرتجفة
، أن تنطفئ المرايا التي ظلت تعيد صورته
كقدر عليه بها أن يصدق
، وأن سواها
، ما وراءها
. . عدم
* * *
أن يرى أفكاره
، تغادر رأسه كأسراب طيور مضطربة
، وأن يراقب اليقين نفسه
وهو يفك أزراره الأخيرة
ويرحل عاريا بعيدا عنه
، فكم من راية أثقلت كتفيه
، وكم من معركة ظنها باب الخلاص
- لم تكن سوى باب آخر للتيه -
وكم من جراح اسماها بطولة
ثم أدرك متأخرا
أنها النزيف
- الذي لا يصير مجدا
لأننا تعودنا عليه
رغبة (2)
الأمنيات القديمة
التي نامت تحت وسادته طويلا
تنهض أحيانا من رقادها
كأشباح تمد يدها من بعيد
ثم تتلاشى قبل أن تلامس الهواء
فتترك في القلب فراغا
كأنين صوت مدينة كاملة
انطفأ ضوءها . . وغرقت في العتمة
، الحيرة
، والانفلات من التوازن
* * *
كان يريد أن ينسى
من منحوا مفاتيح الحدائق
، وحين عاد كل مساء
وجد الأبواب مشرعة للريح
، الورود مقطعة على الطرقات
الينابيع تعلمت طرق الجفاف
* * *
كان يريد أن يطفئ ذلك الحنين
المتنكر في هيئة فضيلة
، ويشعل مواقده القديمة
التي أوشكت على النجاة
اكثر من مرة وغاب عن اليقين
– يريد
. . يتحرر من الأوجاع
التي حفظت مسار عمره
، من الأوهام التي عانقته
. . أكثر وفاء من الحقائق
، ومن الوجوه التي ظل يؤمن بها
- دهرا -
حتى بعد أن غادرت
، ومن الاضاءات التي ظلت تعده بفجر جديد
- والصحاب -
ثم تركته وحيدا
كالعادة وسط الطريق
رغبة (3)
كان يريد خفة الغيم
حين لا يعرف في أي أرض سيمطر
، و ريح
حين لا تحمل رسالة لأحد
- أن يصير روحا
لا تعلق على الجدران
، لا تنكسر فوقها الأمكنة
، ولا يتراكم في زواياها الأسى
- روحا تستعيد دهشة البداية
، حين يكون العالم قطعة
تتدحرج في الضوء
، وحين تكون الارض أكبر من الأسماء
، أوسع من التأويل
والحياة بحرا لا يعرف السدود
- أن يعود -
ليس لزمن مضى
- لعهود او مئات قرون
، بل إلى نبع يسبق الزمن
، إلى تلك بقعة نائية
تسكن آمنة في داخله
- ولا يراها -
، لا تصل إليها ايادي الخبث
، غبار العادات
، ولا صخب البداوى المعاصرة
التي تمرت على الروح
وقد خلفت آثار نعالها الثقيلة
على حياة بائسة لا تغادر
، ولا يغادرها الحالمون
- يريد أن يعود
كما لو أنه خرج للتو من يد الخلق
خفيفا كأغنية حالمة
متسعا كالأفق
حيث لا يقف بينه وبين تحقق الاماني
. . شيء
، وحيث للعابر أن يخلع آخر أسمائه
، آخر أثقاله
، وآخر حروب التي تطارده
. . ويمضي
. . دون وصايا تفرض عليه الطريق

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن