الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح

مظهر محمد صالح
2026 / 6 / 22

كان شبح الخريف يعبر مسارات الزمن العراقي في خمسينيات القرن الماضي. كنا أسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، نعيش حياة هادئة قوامها القناعة والرضا. كان والدي، ذلك الرجل العامل في الحقل التربوي، يسعى إلى توفير أسباب السعادة لنا قبل أن يوفر أسباب الرفاه، مستندًا إلى دخل محدود تُدار به ميزانية الأسرة بدقة، حيث كان لكل فلس مكانه وحسابه.
في تلك الأيام، لم تكن الحياة قد عرفت بعد ذلك التضخم الهائل في أعداد المرتشين الذي شهدته الأزمنة اللاحقة. كانت القيم أوضح، وكانت الحدود بين الحلال والحرام أكثر حضورًا في الضمير العام.
في أحد الأيام طرق بابنا رجل بدا عليه الارتباك، وخلفه حمّال يدفع عربة محمّلة بمواد تموينية تكفي أسرة لأشهر طويلة: أكياس من الرز والطحين، وعلب كبيرة من السمن، وأنواع أخرى من المؤن المغرية.
سألته: من تقصد؟ وإلى أي منزل أُرسلت هذه المواد؟

أجاب بثقة: إنها لوالدك.

أسرعت إلى والدي وانا طفل صغير ، وكان يجلس على حصير من خوص نخيل العراق، وأخبرته بالأمر. فاستغرب وقال: لم أطلب شراء هذه الكميات، وهي فوق طاقة معيشتنا الشهرية.

نهض والدي بهدوء، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، وخرج إلى الرجل. سأله:

ـ من الذي أرسل هذه المواد؟

فأجاب: إنها هدية.

عندها قال والدي للحمال:

ـ يا أخي الكادح، في هذه المنطقة يوجد رجلان يحملان الاسم نفسه. الأول معلم، وهو أنا. أما الثاني فهو موظف في جباية مورد سيادي كان يُعرف آنذاك بضريبة الاستهلاك، تُستوفى من المزارعين في ساحات البيع الكبيرة المسماة بـ”العلاوي”.

ثم أضاف:

ـ إن الشخص الذي تبحث عنه هو محصل ضرائب الاستهلاك، أما أنا فلا شأن لي بهذه الهدية. خذ هذه المواد واذهب إلى مقصدك الصحيح. يبدو أنك تبحث عن أيدٍ سوداء غاصت في السحت الحرام، فاترك الأيدي البيضاء تعيش بسلام.
كان ذلك زمنًا تتمايز فيه الألوان ، أبيضُ النزاهة لا يختلط بسواد الفساد، قبل أن تتسع المساحات الرمادية وتتشابك الوجوه والقيم.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن