|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زيد نائل العدوان
2026 / 6 / 22
أصبحت البيانات الشخصية في العصر الرقمي من أهم الأصول التي تمتلكها الدول والمؤسسات والأفراد؛ إذ يعتمد الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الحديثة على جمع البيانات ومعالجتها وتبادلها بصورة مستمرة.
ومع التطور التكنولوجي الهائل وانتشار الإنترنت والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، برزت الحاجة إلى توفير حماية قانونية فعالة للبيانات الشخصية، بما يضمن احترام خصوصية الأفراد ومنع إساءة استخدام معلوماتهم، وفي هذا السياق، اتجهت العديد من الدول إلى إصدار تشريعات متخصصة لحماية البيانات الشخصية، ومن بينها الأردن الذي أصدر قانون حماية البيانات الشخصية رقم (24) لسنة 2023 ؛ بهدف تنظيم عمليات جمع البيانات ومعالجتها وحفظها ونقلها، وضمان حقوق الأفراد المتعلقة ببياناتهم الشخصية.
عرف قانون حماية البيانات الشخصية الأردني البيانات الشخصية بأنها:"كل بيانات أو معلومات تتعلق بشخص طبيعي ويمكن من خلالها التعرف عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بغض النظر عن مصدر هذه البيانات أو شكلها، وتشمل المعلومات المتعلقة بالشخص أو وضعه العائلي أو أماكن تواجده،".
كما أورد القانون مفهوم البيانات الشخصية الحساسة، وهي البيانات التي تكشف عن الأصل أو العرق أو الآراء السياسية أو المعتقدات الدينية أو الحالة الصحية أو المالية أو البيانات الجينية والبيومترية وغيرها من المعلومات التي قد يؤدي إفشاؤها أو إساءة استخدامها إلى إلحاق الضرر بالشخص المعني.
ومن الجدير ذكره، أن أهمية وجود قانون لحماية البيانات الشخصية تنبع من عدة اعتبارات قانونية واقتصادية واجتماعية، فمن الناحية القانونية؛ يهدف هذا القانون إلى حماية الحق في الخصوصية باعتباره من الحقوق الأساسية للإنسان، كما يضمن للأفراد السيطرة على بياناتهم الشخصية من خلال منحهم الحق في الاطلاع عليها وتصحيحها وسحب الموافقة على معالجتها أو طلب محوها في بعض الحالات.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن وجود إطار تشريعي واضح لحماية البيانات يعزز الثقة في الاقتصاد الرقمي ويشجع الاستثمار المحلي والأجنبي؛ إذ أصبحت الشركات العالمية تشترط وجود تشريعات فعالة لحماية البيانات قبل نقل البيانات أو الاستثمار في الأسواق المختلفة، كما يسهم القانون في رفع مستوى الأمن السيبراني وتقليل المخاطر الناتجة عن الاختراقات وتسريب المعلومات، ومن الناحية الاجتماعية، فإن حماية البيانات الشخصية تعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية والخاصة، وتحد من استغلال المعلومات الشخصية في عمليات الاحتيال أو الابتزاز أو التمييز.
على الرغم من أهمية القانون الأردني وخطوته المتقدمة في مجال حماية الخصوصية، إلا أن عدداً من الملاحظات القانونية أثيرت بشأنه، منها على سبيل المثال لا الحصر أن تشكيل مجلس حماية البيانات الشخصية، يتكون من وزير الاقتصاد الرقمي والريادة ويضم ممثلين عن جهات حكومية وأمنية متعددة، ويرى بعض المختصين أن هذا التشكيل قد يؤثر على استقلالية الجهة الرقابية، في حين أن الاتجاهات الحديثة تميل إلى إنشاء هيئات مستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية لضمان الحياد والفعالية.
أما المشكلة الثانية فتتعلق بالاستثناءات الواسعة الواردة على شرط الحصول على الموافقة المسبقة لمعالجة البيانات، إذ أجاز القانون المعالجة دون موافقة في حالات متعددة تشمل الأمن الوطني والمصلحة العامة والبحث العلمي والإحصاءات وغيرها، ورغم أهمية هذه الأغراض، فإن اتساع نطاق الاستثناءات قد يؤدي إلى تقليص الحماية المقررة للأفراد.
وتتمثل المشكلة الثالثة في أن العديد من الأحكام الجوهرية أُحيلت إلى أنظمة وتعليمات تصدر لاحقاً، مما قد يخلق حالة من عدم الوضوح بشأن كيفية تطبيق بعض الحقوق والالتزامات.
أما المشكلة الرابعة فتتمثل في أن بعض الباحثين قد أشاروا إلى أن العقوبات المالية الواردة في القانون قد لا تكون رادعة بما يكفي لبعض الشركات الكبرى التي تعتمد على معالجة البيانات بصورة واسعة؛ خاصة عند مقارنتها بالعقوبات المفروضة في التشريعات الأوروبية.
وعروجًا على الدول المتقدمة، وخاصة بريطانيا وفرنسا، فقد قاموا تطوير أنظمة متقدمة لحماية البيانات الشخصية من خلال تطبيق مبادئ اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR).
ففي بريطانيا تتولى هيئة مستقلة تعرف باسم مكتب مفوض المعلومات (ICO) مهمة الرقابة على حماية البيانات، وتتمتع بصلاحيات واسعة ومستقلة عن الحكومة، بما يعزز الثقة في إجراءات الرقابة والمساءلة، أما في فرنسا فتقوم هيئة مستقلة تعرف باسم اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات (CNIL) بالإشراف على تطبيق قواعد حماية البيانات، وتمتلك صلاحيات التحقيق والتفتيش وفرض الغرامات على الجهات المخالفة.
كما اعتمدت كل من بريطانيا وفرنسا مبدأ الشفافية الكاملة في معالجة البيانات؛ بحيث تلتزم المؤسسات بإبلاغ الأفراد بشكل واضح عن طبيعة البيانات التي تجمعها وأسباب جمعها وكيفية استخدامها، كذلك فُرضت غرامات مالية كبيرة على المخالفين قد تصل إلى ملايين اليوروهات أو نسبة من الإيرادات العالمية للشركات، الأمر الذي جعل الالتزام بقواعد حماية البيانات أولوية استراتيجية لدى المؤسسات.
وبالتالي، فإن نجاح قانون حماية البيانات الشخصية لا يتوقف على مجرد صدوره، وإنما يعتمد على قدرته على تحقيق توازن حقيقي بين حماية الخصوصية ومتطلبات التنمية الرقمية، ولذلك تبرز ضرورة قيام المشرع الأردني بمراجعة بعض الأحكام الواردة في القانون، ولا سيما ما يتعلق بتعزيز استقلالية الجهة الرقابية، وتضييق نطاق الاستثناءات غير الضرورية، ورفع مستوى الوضوح التشريعي، وتعزيز العقوبات الرادعة للمخالفات الجسيمة.
إذًا، يشكل قانون حماية البيانات الشخصية الأردني خطوة مهمة نحو بناء بيئة رقمية آمنة تحترم خصوصية الأفراد وتواكب التطورات التكنولوجية الحديثة، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن بعض التحديات التي تستدعي المراجعة والتطوير، ولما كانت الدول المتقدمة قد نجحت في معالجة العديد من هذه الإشكاليات من خلال إنشاء هيئات مستقلة وتطبيق قواعد صارمة للشفافية والمساءلة، فإن من الضروري أن يستفيد المشرع الأردني من هذه التجارب لضمان تحقيق أعلى مستويات الحماية للبيانات الشخصية وتعزيز الثقة بالاقتصاد الرقمي الأردني.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |