|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 6 / 19
19 حزيران يونيو 2026
في قلب التوترات الإقليمية المتسارعة في يونيو 2026، تبرز صفقة "مذكرة التفاهم" الأميركية-الإيرانية كإختبار حاسم لتحالفات طويلة الأمد. تجمع هذه اللحظة بين ضغوط سياسية داخلية أميركية، مقاومة إسرائيلية قوية، وإنقسامات إيرانية داخلية، وسط مشهد يعكس تعقيدات الدبلوماسية واللوبيات والمعتقدات الدينية.
خريطة النفوذ الإسرائيلي في الكونغرس وخارجه
يظل الدعم الأميركي لإسرائيل عميق الجذور، مدعوماً بشبكة من الشخصيات البارزة داخل مجلس الشيوخ وخارجه. في الشيوخ، يقف تشاك شومر (الديمقراطي عن نيويورك) كصوت رئيسي بين الديمقراطيين، إلى جانب ميتش ماكونيل الجمهوري، وجاكي روزن، وتيد كروز، وجون فيترمان الذي أظهر موقفاً صلباً بعد 7 أكتوبر. أما ليندسي غراهام (الجمهوري عن ساوث كارولاينا)، فيُعد من أبرز المدافعين التاريخيين، حيث دفع بإستمرار نحو مساعدات عسكرية غير مشروطة ومواقف متشددة تجاه إيران وحماس.
خارج الكونغرس، تبرز منظمات مثل أيباك (اللجنة الأميركية للشؤون العامة الإسرائيلية) كأحد أقوى اللوبيات، مدعومة بتمويلات إنتخابية هائلة وتحالفات ثنائية الحزبية. كما تلعب حركة "الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل" (DMFI) دوراً في تعزيز الصوت المؤيد داخل الحزب الديمقراطي. أما "إتحاد المسيحيين من أجل إسرائيل" (CUFI)، فيمتلك قاعدة جماهيرية هائلة تتجاوز 10 ملايين عضو، مستنداً إلى دعم إنجيلي واسع.
يأتي شيلدون أديلسون (المتوفى 2021) كرمز للنفوذ الخارجي. بنى الملياردير الراحل إمبراطورية كازينوهات هائلة، ثم وجه مئات الملايين نحو قضايا يهودية وإسرائيلية، بما في ذلك "برنامج بيرثرايت إسرائيل"، وصحيفة "إسرائيل هيوم" اليمينية، ودعم سياسات مثل نقل السفارة إلى القدس والإعتراف بالجولان. إستمرت زوجته ميريام أديلسون في هذا المسار بدعم إنتخابي كبير للجمهوريين ودونالد ترامب. ينضم إليهم متبرعون آخرون مثل حايم سابان (الديمقراطي) وسيث كلارمان، بالإضافة إلى منظمات مثل "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" و"مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات".
شبكات المسيحيين الصهاينة: الدعم الديني والسياسي
يشكل المسيحيون الصهاينة عموداً أساسياً في هذا التحالف. يستندون إلى تفسيرات توراتية ترى في عودة اليهود إلى أرض إسرائيل علامة نبوئية تسبق المجيء الثاني للمسيح. يقود القس جون هيجي منظمة CUFI، التي نظمت حملات ضغط على الكونغرس وجمع تبرعات للإسرائيليين، بينما تركز "السفارة المسيحية الدولية في القدس" (ICEJ) على المساعدات العملية وتنظيم إحتفالات كبرى. ساهم هذا التيار في دفع سياسات مثل الإعتراف بالقدس والخروج من الإتفاق النووي الإيراني 2015، ويظل حليفاً قوياً للجمهوريين رغم بعض التحولات بين الأجيال الشابة.
الصفقة الأميركية-الإيرانية: بنودها وتناقضاتها
تبلغ الصفقة ذروتها المقررة يوم الجمعة 19 يونيو 2026 في سويسرا. تشمل بنودها الرئيسية:
- وقف إطلاق نار فوري وشامل يمتد إلى لبنان.
- إعادة فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية، مع رفع الحصار البحري الأميركي.
- فترة 60 يوماً لمفاوضات نووية تقضي بتفكيك جوانب من البرنامج النووي الإيراني، وإزالة اليورانيوم المخصب عالي التخصيب، مع آليات تحقق.
- تخفيف عقوبات مرحلي، مع الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة.
يصفها الجانب الأميركي بأنها أفضل من إتفاق 2015، بينما تؤكد طهران على حقوقها النووية السلمية ورفع العقوبات. غير أن هذه البنود أثارت تناقضات حادة.
الضغط على البيت الأبيض والمعارضة الإسرائيلية
مارس اللوبي المؤيد لإسرائيل ضغطاً ملحوظاً على إدارة ترامب. حذر غراهام من "جوانب مقلقة" في الإتفاق، مطالبًا بمراجعة كونغرسية صارمة وتفكيك قدرات إيران النووية والصاروخية. رددت أيباك ودوائر أديلسون وCUFI المخاوف ذاتها، مفضلة سياسة "الضغط الأقصى" على التنازلات.
داخل إسرائيل، بلغت المعارضة ذروتها. يرفض معظم الرأي العام الربط بين وقف إطلاق النار في إيران وحرب لبنان ضد حزب الله. دعا إيتمار بن غفير إلى تحدي ترامب، بينما وصف يائير لابيد الصفقة بـ"الفشل الكامل".
وقد أثارت غارة الجيش الإسرائيلي الأخيرة على ضاحية بيروت الجنوبية (14 يونيو) توتراً علنياً: إنتقد ترامب العملية بشدة على Truth Social، معتبراً إياها تعريضاً لـ"صفقة السلام"، ووصف نتنياهو بـ"الرجل الصعب جداً" الذي "يكاد يفسد كل شيء". رغم ذلك، يصر نتنياهو على الحفاظ على "حرية العمل" في لبنان، محاولاً التوفيق بين ضغوط الإئتلاف والعلاقة مع واشنطن.
الردود الإيرانية الداخلية: بين الإرتياح والإحتجاج
في إيران، إختلفت الردود. أبدى المتشددون (جبهة الصمود) إحتجاجات في طهران ومشهد، متهمين المفاوضين بالتنازل، ومطالبين بعدم تكرار "أخطاء" الإتفاق السابق. أما الرأي العام العادي، فيعكس تعباً من الحرب والعقوبات، مع إرتياح حذر لإمكانية تخفيف الضغوط الإقتصادية. يؤكد المسؤولون الرسميون على "الوحدة الوطنية" و"عدم الثقة في العدو"، محاولين صياغة السردية كإنتصار للمقاومة.
آفاق هشة ودروس إستراتيجية
تكشف هذه الديناميكيات عن توترات بنيوية: بين الدعم الأميركي غير المشروط تاريخياً والرغبة في صفقات دبلوماسية، وبين الأولويات الأمنية الإسرائيلية والحسابات الإنتخابية الأميركية، وبين الرؤى الدينية المسيحية الصهيونية والواقع الجيوسياسي.
قد تمضي الصفقة قدماً يوم الجمعة، لكن تنفيذها — خاصة في لبنان والتحقق النووي — سيظل عرضة للإختبار.
في النهاية، يعكس هذا المشهد قدرة اللوبيات والشبكات الدينية على تشكيل السياسة، مع الحدود التي تفرضها الواقعية الدولية.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستصمد هذه الصفقة أمام التناقضات، أم ستكون مجرد فصل آخر في صراع طويل الأمد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |