|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2026 / 6 / 18
أخذتني ظهيرة يوم السبت الموافق 19 آذار/مارس 2016، من انشغالات غرفة العمليات الاقتصادية الافتراضية إلى لقاء فريق المجلس الأطلسي الذي زار العراق برئاسة السفير ريان كروكر، في مهمة إعداد ورقة استراتيجية بعنوان: «مستقبل العراق» (Task Force on the Future of Iraq)، كانت معدّة لتوضع على طاولة الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية.
جاء ذلك في واحدة من أكثر المراحل حرجًا في تاريخ العراق الحديث؛ إذ كانت البلاد تخوض حربًا مصيرية ضد تنظيم داعش الإرهابي الذي بسط سيطرته على نحو ثلث مساحة الوطن، فيما كانت المنظومة الاقتصادية تواجه أزمة مالية خانقة نتيجة الانهيار الحاد في أسعار النفط، المورد الرئيس للدولة.
كان لقائي بالسفير كروكر يستند إلى سببين رئيسين. الأول، إجراء حوار حول مستقبل الاقتصاد العراقي في ظل استعداد الحكومة لتوقيع اتفاق «الاستعداد الائتماني» (SBA) مع صندوق النقد الدولي في تموز/يوليو من العام نفسه، بهدف الحصول على دعم مالي من صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، مقابل الالتزام بحزمة من الإصلاحات الاقتصادية الصعبة وغير الشعبية في ظرف استثنائي. أما السبب الثاني، فتمثل في مشاركتي بصفتي شخصية مستقلة سياسيًا، بما يتيح تقديم رؤية مهنية بعيدة عن الاصطفافات الحزبية.
ضمت طاولة الحوار التي أدارها السفير كروكر نخبة من الخبراء والباحثين الغربيين، إلى جانب شخصيات عراقية بارزة مشاركة في أعمال المجلس الأطلسي، كان من بينها عالم الاجتماع الراحل فالح عبد الجبار وآخرون.
استهل السفير كروكر حديثه بعرض حصيلة لقاءاته مع نحو عشرين من القادة السياسيين العراقيين، من كردستان إلى النجف وسواهما، قبل أن يقدم قراءة مكثفة لمستقبل العراق. ومما علق في ذاكرتي قوله إن العراق، بعد أكثر من عقد على التحولات العميقة التي أعقبت عام 2003، يقف أمام لحظة تاريخية لا تقل أهمية عن تلك المرحلة التأسيسية، بل ربما أكثر تعقيدًا وتشابكًا. فالعراق، في تقديره، لم يعد يُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على إنتاج توازن جديد بين الدولة والمجتمع والتأثيرات الإقليمية والدولية المتداخلة.
وتابع حديثه بلغة دبلوماسية هادئة، مؤكدًا أن النقاش الدولي بشأن العراق بدأ ينتقل من سؤال «كيف ينجو العراق من أزماته؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «أي نوع من الاستقرار يستطيع العراق أن ينتجه لنفسه؟». فالقضية لم تعد قضية إدارة أزمات متلاحقة، بل إدارة توازنات معقدة داخلية وخارجية في آن واحد.
في أثناء الحوار، تبلورت أمامي رؤية تقوم على ركيزتين أساسيتين: الأولى قدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها بعيدًا عن منطق المحاصصة والانقسامات السياسية العابرة ، والثانية طبيعة البيئة الإقليمية والدولية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من معادلة القرار الوطني عبر الاقتصاد والأمن والتأثير السياسي.
ومن خلال تلك المناقشات، بدا العراق وكأنه نموذج خاص لدولة يمكن وصفها بأنها «غنية وهشة» في الوقت ذاته ، دولة تمتلك موارد هائلة وإمكانات استثنائية، لكنها ما زالت تواجه تحديات بنيوية تعيق تحول تلك الموارد إلى استقرار مستدام. فهي ليست دولة فاشلة، لكنها لم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار المكتمل، وظلت تتحرك في منطقة وسطى بين فرص النهوض واحتمالات التراجع.
ومع ذلك، لم يكن المشهد يخلو من عناصر القوة. فقد برهنت التجربة العراقية على قدرة المجتمع على إعادة إنتاج ذاته رغم الصدمات الكبرى. فمن الاقتصاد غير الرسمي إلى المبادرات المحلية، ومن الحراك الاجتماعي إلى التحولات التدريجية في الوعي السياسي، كان العراق يظهر ككيان حي يتحرك تحت السطح بوتيرة أبطأ من السياسة، لكنها أكثر عمقًا وتأثيرًا.
وفي داخلي تبلورت قناعة مفادها أن العراق لم يكن يسير في مسار خطي واضح، بل كان يعيش مرحلة «إعادة تعريف» شاملة للدولة والمجتمع. وأن العقد اللاحق لن يكون مجرد امتداد لما سبقه، بل محاولة لصياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد، إما أن ينجح في ترسيخ الدولة ومؤسساتها، أو يكرس حالة من التوازن الهش طويل الأمد.
وعندما طُرح عليّ سؤال بشأن انعكاسات اتفاق «الاستعداد الائتماني» مع صندوق النقد الدولي ومدى استعداد الرأي العام لتقبّل الإصلاحات المصاحبة له، أوضحت أن هناك إدراكًا متزايدًا لطبيعة الأزمة المزدوجة التي تواجه البلاد: الأمنية والمالية. كما أكدت أن الإجراءات الإصلاحية والانضباطية التي شرعت الحكومة بتنفيذها بدأت تؤتي ثمارها في دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب، وأن برنامج الإصلاح الحكومي كان منسجمًا، في جوهره، مع متطلبات الاستقرار الاقتصادي الكلي وإعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة.
وفي ختام اللقاء، شكرني السفير كروكر على الإيضاحات التي قُدمت، وعدّها إسهامًا في بلورة رؤية أكثر توازنًا بشأن واقع العراق ومستقبله , وغادرت قاعة الاجتماع، غير أن عبارةً واحدة ظلت عالقة في ذهني حتى اليوم: أن العراق يقف دائمًا عند «مفترق العقد» ، ليس بوصفه محطة عبور عابرة، بل لحظة اختيار تاريخية بين دولة تُدار بالأزمات، ودولة تبني من داخلها القدرة على تجاوزها وصناعة مستقبلها.
وإذا كان لي أن أوجز خلاصة عقدٍ كاملٍ من التأمل والتجربة، وما دار من حوارٍ في أروقة المجلس الأطلسي حول مستقبل العراق، فإنني أقول: إن تنويع الاقتصاد وترسيخ الحوكمة الرشيدة ليسا مجرد خيارين في برنامج حكومي، بل هما القاعدة الصلبة والشرطان التاريخيان اللذان يتوقف عليهما انتقال العراق من دولةٍ تنشغل بإدارة أزماتها إلى دولةٍ تمتلك القدرة على صناعة مستقبلها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |