الأنا والأنت في أدب الشاعر اللبناني هنري زغيب

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 6 / 17

الأنا والأنت في أدب الشاعر اللبناني هنري زغيب...
مقدمة
يمثل الشاعر اللبناني هنري زغيب (1948 – ) ظاهرة أدبية فريدة، حيث جمع في تجربته بين الشعر، الفلسفة، الترجمة، والمقالة الفكرية. وُلِد في جونيه – لبنان، وتتلمذ في بيئة ثقافية متعددة اللغات، ونال الإجازة في الأدب العربي من الجامعة اللبنانية. كتب القصيدة الكلاسيكية والتفعيلة والنثر الجمالي وقصيدة النثر.
تتسم قصائد هنري زغيب، وإن بدت في ظاهرها وجدانية ورومانسية، بأنها تحمل في عمقها رؤى فلسفية تأملية تتناول الإنسان، الزمن، الموت، الحب، الوجود، والعلاقة مع الآخر. يظهر في كتاباته نزوع نحو التأمل الميتافيزيقي، خاصة في قصائده النثرية التي تُعبّر عن معاناة الكائن أمام عبثية الوجود، وتوقه إلى المطلق والخلاص، مما يُقرّبه من تيارات الشعر الفلسفي التي نشأت في أوروبا ما بعد الحداثة.
جدلية الأنا والآخر في شعر زغيب
1-الأنا المنقسمة وأزمة الذات
ينطلق هنري زغيب في كثير من قصائده من أزمة ذاتية عميقة، حيث يعيش صراعًا وجوديًا مع لحظته، في تجلٍ واضح لنزعة هيدغّرية: الإنسان هو الكائن الوحيد الذي "يُلقى" في الزمن وهو واعٍ لفنائه. يقول الشاعر في أحد نصوصه: "أركض في ساعةٍ لا تَعدّ، أهرب مني، إليّ، ولا أصل..."
هذا الشعور بالانقسام والتشتت يتجلى بوضوح في ديوانه "ربيع الصيف الهندي" (2010) الذي يعد شرنقة لفّتها خيوط الحبّ، وغزلتها حرارة الشوق، وأنضجها "تصالب شعاعين"، فطارت فراشات ربيعيّة حوّمت في فضاء الشعر وألقه. في هذا الديوان، نجد الشاعر يعترف بأنه أتى من "هوّة الخيبات" يجرّ وراءه أخطاءه وخطاياه، وأتى من تيه الصحارى، من وجع غربة أثقلته.
2-حضور "الأنت" كخلاص واكتمال
تظهر شخصية "الأنت" في شعر زغيب كقوة خلاصية تعيد للذات وحدتها وتكاملها. ففي إحدى قصائده يقول: "كلما ضاق الوقتُ بي، كنتَ أنتَ ساعتي الوحيدة..." الزمن هنا ليس مجرد قياس آلي، بل إحساس وجودي مرتبط بالمحبوب. يعيد زغيب تعريف الزمن من منظور أفلاطوني: فالمطلق لا يُقاس بالساعة، بل بالحضور الداخلي.
هذه العلاقة تصل إلى ذروتها في ديوان "ربيع الصيف الهندي"، حيث تظهر الحبيبة كنجمة العمر، تلك التي حولت خريف شاعر على مشارف الستين إلى ديمومة ربيع لا يعرف الهرم. وفي القصيدة الأولى من الديوان، نرى شيئًا كثيرًا من التضاد المبني على الماضي الأسيف والحاضر البهج، حيث يستحيل الخريف ربيعًا، وتكون هذه الأعجوبة نتيجة للحب.
3-ثنائية الأنا والأنت: من الانفصال إلى التوحد
يتقن هنري زغيب فنّ توظيف الضمائر للتعبير عن مراحل العلاقة بين الأنا والأنت. ففي قصائده نرى:
أ. مرحلة الصراع والمواجهة:
في القسم الثاني من ديوان "ربيع الصيف الهندي" وعنوانه "السوى"، يقيم زغيب مواجهة بينه وبين الناس. هم بادلوه عقوقًا وغرفوا من معجنه، وصلبوه حقدًا، لكن الحبيبة تأتي كمنقذة. هنا تظهر ثنائية ضمائر المتكلم والغائب لتعبر عن الصراع: "تماهوا/ارتحلوا/- بادلوني/عقوقًا- حاقدون/وعي الحقد…"
ب. مرحلة التحول والتكامل:
في الباب الأول "الزمن وأنا"، نرى الشاعر وقد وعى نفسه يخاطبها، فيستخدم ضمير المتكلم مستترًا ومن ثم متصلاً "أراني" (أنا أرى نفسي)، حيث يصبح هو الفاعل والمفعول معًا. هذا يعكس عملية وعي ذاتي متقدمة.
ج. مرحلة الاتحاد والوحدة:
تصل ثنائية الأنا والأنت إلى ذروتها في الباب السابع والأخير "أنتِ وأنا"، حيث ينتقل الشاعر إلى استخدام ضمير المتكلم في الجمع "نا" لينتقل من الثنائية إلى الواحدية: "أنتِ الـ أنَا ! وأنَا؟ ما من أنا يَ بَقِيْ".
هذا الانتقال يعبر عن حالة من الترقّي في الحب، حيث فنية الأنا في المحبوب، فناءً يليه متعة البقاء في من يحب، وصولاً إلى أقصى حالات الحب الممكنة.
4- اللغة كفضاء لتفاعل الأنا والأنت
يولي زغيب أهمية للغة لا باعتبارها أداة شعرية فقط، بل ككائن فلسفي يُعيد تشكيل الواقع. ففي كثير من نصوصه، تكون اللغة شريكًا في المعنى، وأحيانًا تنقلب على نفسها في نوع من "تفكيك شعري": "أكتبُ لأعرف من أنا، أخاف إذا صمتُّ، أن أموت." اللغة هنا ضرورة وجودية، تُجسّد موقفًا شبيهاً بفلسفة مارتن هايدغر: "اللغة بيت الوجود".
الشاعر يعتبر اللغة وسيلة للانعتاق، حيث تصبح الكتابة نفسها فعل خلاص، واللغة معادلاً فلسفيًا لفعل الخلق.
خاتمة
يمثل شعر هنري زغيب مسارًا فريدًا في استكشاف العلاقة بين الأنا والآخر. يبدأ هذا المسار من أزمة ذاتية واغتراب، ثم يمر بمرحلة المواجهة والاعتراف بالآخر كخلاص، ليصل إلى مرحلة التوحد حيث تندمج الأنا في الأنت. هذه الرحلة ليست مجرد تعبير عن تجربة عاطفية، بل هي استكشاف فلسفي عميق لأسئلة الوجود والهوية والحب والخلاص.
من خلال توظيفه البارع للغة والضمائر، استطاع زغيب أن يخلق نسيجًا شعريًا يعكس هذه التحولات بدقة، وأن يقدم رؤية متكاملة للعلاقة الإنسانية في أبعادها الفلسفية والروحية، مما يجعله شاعرًا متميزًا في المشهد الأدبي العربي المعاصر.

المراجع (References)
ناتالي خوري غريب. (2013، مايو 26). بوح ربيعٍ سِتِّينيّ… في الصيف الهنديّ (*) لهنري زغيب. مدونة كلود أبو شقرا. https://claudeabouchacra.wordpress.com/2013/05/26/بوح-ربيعٍ-سِتِّينيّ-في-الصيف-الهنديّ/[reference:19]
محمد عبد الكريم يوسف. (2025، مايو 23). الأبعاد الفلسفية في شعر هنري زغيب. الحوار المتمدن. https://m.ahewar.org/s.asp?aid=870004&r=40&cid=0&u=&i=0&q=[reference:20]
هنري زغيب - المعرفة. (2024، يونيو 24). المعرفة. https://www.marefa.org/[reference:21]
تونس، د. جان نعّوم. (د.ت.). عن الكتاب: هنري زغيب في ديوانه الشعري الجديد: الربيع الآتي على متن الخريف. الشاعر هنري زغيب. https://www.henrizoghaib.com[reference:22]

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن