بين الحرب والدبلوماسية: جيفري ساكس يدعو ألمانيا إلى منع الإنزلاق نحو مواجهة أوروبية كبرى

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 16

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


16 حزيران يونيو 2026


رسالة مفتوحة إلى فريدريك ميرتس
تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل أوروبا وعلاقاتها مع روسيا


في رسالة مفتوحة مطولة نشرها الاقتصادي والدبلوماسي الأمريكي البروفيسور جيفري ساكس تحت عنوان «رسالة مفتوحة إلى المستشار فريدريك ميرتس» في 27 أيار مايو المنصرم، وجّه الكاتب نداءً مباشراً إلى المستشار الألماني، داعياً إياه إلى إطلاق مبادرة دبلوماسية عاجلة مع روسيا، ومحذراً من أن أوروبا تقترب من مرحلة بالغة الخطورة قد تقود إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الحرب الأوكرانية.
ويطرح ساكس في رسالته رؤية شاملة للأزمة الراهنة، لا تقتصر على التطورات العسكرية الجارية، بل تمتد إلى مراجعة تاريخ العلاقات بين روسيا والغرب منذ نهاية الحرب الباردة، وصولاً إلى تداعيات الحرب الأوكرانية على الأمن الأوروبي والإقتصاد الألماني.
ومنذ السطور الأولى، يضع الكاتب ألمانيا في قلب المعادلة، معتبراً أن برلين تمتلك من النفوذ السياسي والإقتصادي ما يجعلها الطرف الأوروبي الأكثر قدرة على فتح مسار تفاوضي جديد مع موسكو.
ويخاطب ميرتس قائلاً:
«لا يوجد زعيم أوروبي آخر يمتلك الموقع الذي تمتلكه ألمانيا، ولا القوة التي تمتلكها شخصياً، لوقف هذه الكارثة.»
ومن هذا المنطلق، يبني ساكس رسالته بأكملها على فكرة أساسية مفادها أن مستقبل الأمن الأوروبي لن يُحسم في ساحات القتال وحدها، بل عبر العودة إلى الدبلوماسية والحوار السياسي.


التصعيد المتسارع وخطر إتساع الحرب

يرى ساكس أن الأشهر الأخيرة شهدت تصعيداً ملحوظاً في العمليات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، سواء من خلال الضربات بعيدة المدى أو توسيع نطاق الأهداف المستهدفة.
ويشير إلى أن العاصمتين، موسكو وكييف، أصبحتا عرضة لهجمات متزايدة، بينما تقترب العمليات العسكرية تدريجياً من حدود دول أوروبية أخرى، الأمر الذي يرفع من إحتمالات وقوع حوادث قد تؤدي إلى توسع دائرة الصراع.
كما يتوقف عند الرسائل والتحذيرات المتبادلة بين موسكو والعواصم الغربية، معتبراً أنها تعكس دخول الأزمة مرحلة أكثر حساسية وخطورة.
وفي رأيه، فإن إستمرار هذا المسار يجعل الحاجة إلى الدبلوماسية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.


السلام بدلاً من الإستنزاف

يرفض ساكس المقاربة القائمة على زيادة الدعم العسكري بإعتبارها الطريق الوحيد لإنهاء الحرب.
ويكتب: «الطريقة للدفاع عن أوكرانيا ليست إستمرار المذبحة، بل تحقيق السلام بشروط يمكن لجميع الأطراف قبولها.»
ومن وجهة نظره، فإن مواصلة التصعيد العسكري تعني مزيداً من الخسائر البشرية والإقتصادية، بينما ينبغي توجيه الجهود نحو البحث عن تسوية تضمن الأمن والإستقرار لجميع الأطراف المعنية.
ويعتبر أن أوروبا تحتاج اليوم إلى مبادرة سياسية أكثر من حاجتها إلى سباق جديد في التسلح.


ست محطات يعتبرها ساكس أساس الأزمة الحالية

في القسم الرئيسي من رسالته، يستعرض الكاتب ست قضايا يراها ذات أهمية لفهم المسار الذي أوصل العلاقات الروسية ـ الغربية إلى وضعها الراهن.
ولا يقدمها بوصفها أحداثاً منفصلة، بل بإعتبارها سلسلة مترابطة من التطورات السياسية والإستراتيجية التي تراكمت عبر العقود الماضية.
▪️أولاً: توحيد ألمانيا وتوسع حلف الناتو
يعود ساكس إلى مرحلة توحيد ألمانيا عام 1990، مشيراً إلى النقاشات التي جرت آنذاك بين القيادات الغربية والسوفياتية بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في أوروبا.
ويؤكد أن موسكو تلقت تطمينات بعدم توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً، معتبراً أن هذه المسألة تمثل إحدى النقاط الجوهرية في الجدل المستمر حول النظام الأمني الأوروبي بعد الحرب الباردة.
ويشير إلى أن ألمانيا كانت المستفيد الأكبر من التفاهمات التي رافقت إعادة توحيدها، قبل أن تصبح لاحقاً من أبرز المؤيدين لسياسة توسع الحلف.
▪️ثانياً: قمة بوخارست عام 2008
يتناول الكاتب قرار قمة بوخارست الذي نص على أن أوكرانيا وجورجيا ستصبحان عضوين في حلف شمال الأطلسي في المستقبل.
ويستشهد بما ورد في مذكرات المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل بشأن حساسية هذا الملف بالنسبة لروسيا، معتبراً أن تلك المرحلة شكّلت نقطة تحول مهمة في العلاقات بين موسكو والغرب.
ويرى أن الجدل الذي رافق مسألة إنضمام أوكرانيا إلى الحلف كان من بين العوامل التي ساهمت في زيادة التوترات خلال السنوات اللاحقة.
▪️ثالثاً: إتفاق فبراير 2014 في كييف
ينتقل ساكس إلى الأزمة الأوكرانية عام 2014، مذكراً بالإتفاق الذي تم التوصل إليه بين الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش والمعارضة بوساطة أوروبية.
وكان الإتفاق ينص على إجراء إصلاحات دستورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية والذهاب إلى إنتخابات مبكرة.
غير أن التطورات المتسارعة التي أعقبت ذلك أدت إلى إنهيار الإتفاق وخروج يانوكوفيتش من السلطة، وهو ما يراه الكاتب محطة أساسية في تدهور العلاقات بين روسيا والغرب.
▪️رابعاً: إتفاق مينسك الثاني
يتوقف ساكس مطولاً عند إتفاق مينسك الموقع عام 2015 بهدف إنهاء القتال في شرق أوكرانيا.
ويشير إلى أن الإتفاق تضمن عناصر سياسية وأمنية متعددة، من بينها ترتيبات خاصة بالمناطق المتنازع عليها.
وبحسب قراءته، فإن عدم تنفيذ الإتفاق بصورة كاملة ساهم في تعميق الأزمة وإضعاف الثقة المتبادلة بين الأطراف المعنية.
ويعتبر أن تجربة مينسك أصبحت جزءاً أساسياً من الخلفية السياسية التي سبقت إندلاع الحرب الواسعة عام 2022.
▪️خامساً: قضية نورد ستريم
يخصص الكاتب جزءاً مهماً من رسالته لقضية تفجير خطوط الغاز «نورد ستريم».
ويشير إلى أن الحادث كانت له تداعيات كبيرة على الإقتصاد الأوروبي، وعلى العلاقات بين ألمانيا وروسيا على وجه الخصوص.
كما يستعرض النقاشات التي دارت حول الجهات المحتملة المسؤولة عن العملية، معتبراً أن القضية ما تزال من الملفات الأكثر تأثيراً في العلاقات الأوروبية ـ الروسية.
▪️سادساً: مفاوضات إسطنبول عام 2022
يرى ساكس أن المفاوضات التي جرت بين روسيا وأوكرانيا في إسطنبول خلال الأشهر الأولى من الحرب كانت تمثل فرصة مهمة للتوصل إلى تسوية سياسية.
ويشير إلى أن الطرفين ناقشا آنذاك مجموعة من الأفكار المتعلقة بالحياد والضمانات الأمنية والقضايا الإقليمية.
ومن وجهة نظره، فإن تلك المرحلة تستحق إعادة الدراسة لفهم الفرص التي أتيحت لإنهاء الحرب في وقت مبكر.


الإقتصاد الألماني في قلب النقاش

إلى جانب الملف الأمني، يولي ساكس إهتماماً كبيراً للجانب الإقتصادي.
فهو يرى أن ألمانيا تواجه تحديات إستراتيجية مرتبطة بإرتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القدرة التنافسية لبعض القطاعات الصناعية، في ظل التحولات الجيوسياسية التي شهدتها أوروبا منذ إندلاع الحرب.
ويعتبر أن الإقتصاد الألماني بحاجة إلى تركيز أكبر على مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الإصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية.
وفي هذا السياق يكتب: «كل يورو يُنفق على الدبابات والصواريخ هو يورو لا يُنفق على مستقبل ألمانيا الرقمي.»
ويؤكد أن القرارات الإقتصادية التي ستتخذها ألمانيا خلال السنوات المقبلة ستكون مؤثرة بقدر تأثير القرارات الأمنية والسياسية.


ما الذي يقترحه ساكس؟

في ختام رسالته، يدعو الكاتب إلى إطلاق مسار تفاوضي جديد بين روسيا وأوكرانيا بدعم أوروبي مباشر.
كما يدعو إلى إعادة تفعيل قنوات الحوار السياسي والأمني بين موسكو والعواصم الأوروبية، وإحياء دور المؤسسات متعددة الأطراف في إدارة القضايا الأمنية داخل القارة.
وبحسب رؤيته، فإن أي تسوية مستدامة يجب أن تستند إلى ترتيبات أمنية متفق عليها، وإلى إعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف بعد سنوات من المواجهة والتوتر.
ويخاطب ميرتس قائلاً: «الوقت حان للدبلوماسية.»


أكثر من رسالة إلى مستشار

لا تقتصر أهمية رسالة جيفري ساكس على كونها نداءً موجهاً إلى المستشار الألماني، بل تكمن أيضاً في أنها تعكس نقاشاً أوسع يدور داخل الأوساط السياسية والفكرية حول مستقبل الأمن الأوروبي والحرب في أوكرانيا.
فالرسالة تعيد طرح أسئلة أساسية تتعلق بحدود الردع العسكري، ودور الدبلوماسية، وشكل العلاقة المستقبلية بين أوروبا وروسيا، والتوازن بين متطلبات الأمن وضرورات التنمية الإقتصادية.
وبغض النظر عن المواقف المختلفة تجاه الإستنتاجات التي يطرحها ساكس، فإن نصه يمثل مساهمة بارزة في واحد من أهم النقاشات الجيوسياسية في عصرنا: كيف يمكن إنهاء الحرب، ومن يملك القدرة على فتح الطريق نحو تسوية تضع حداً لأكبر أزمة أمنية تشهدها أوروبا منذ عقود؟

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن