لماذا تتردد إسرائيل في إستخدام «الخيار الأخير» الذي وعدت به غولدا مائير؟

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 15

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

15 حزيران يونيو 2026


في مقالة نشرها الكاتب الروسي فيتالي أورلوف بتاريخ 25 مايو 2026 بعنوان «النووي الذي انطفأ: إسرائيل لن تستخدم أبداً السلاح الذي وعدت به غولدا مائير»، يقدم تحليلاً جريئاً للوضع الجيوسياسي المتفجر بين إسرائيل وإيران، ودور الولايات المتحدة فيه. يرى أورلوف أن طهران تمتلك «ميزة عسكرية وزمنية»، بينما يواجه خصومها ضغوطاً زمنية وسياسية وعسكرية شديدة.

غولدا مائير والتهديد النووي التاريخي

يستذكر أورلوف كلمات رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير الشهيرة: «نحن لا نملك سلاحاً نووياً، لكن في حال الضرورة سنستخدمه بالتأكيد». ويصف الكاتب هذه العبارة بأنها «تبدو زؤامة اليوم بشكل خاص» وبعبارة أخرى هذه الكلمات كانت مخيفة... لكنها اليوم تبدو مرعبة بشكل إستثنائي، في ظل الوضع الذي يواجه فيه بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب «فخاً» وضعاه لأنفسهما، على حد تعبيره.

الخلفية التاريخية والعقائدية في تحليل أورلوف

يربط أورلوف بين السياسة الإسرائيلية الحالية وبين «التأثير المدمر للصهاينة المتشددين»، مشيراً إلى أن نتنياهو «غير قادر على التراجع» عن «مغامرة فاشلة تماماً». ويستشهد الكاتب بأهداف تتعلق بـ«تعليمات التلمود حول تدمير عيلام»، وهو الاسم القديم لإيران في النصوص اليهودية القديمة. كما ينقل عن نتنياهو رغبته المعلنة في إقامة «إسرائيل الكبرى التي تمتد من دجلة إلى الفرات».
وفقاً لأورلوف، نجح نتنياهو في جذب الرئيس الأمريكي الـ47 دونالد ترامب إلى هذه «المغامرة»، الذي يرى الكاتب أنه «جاء إلى البيت الأبيض بدعم من الصهاينة أنفسهم» لإستخدام القوة العسكرية الأمريكية ضد إيران.

القدرات النووية الإسرائيلية: من فعنونو إلى اليوم

يذكّر أورلوف بقضية موردخاي فعنونو، الذي كشف في الثمانينيات عن برنامج إسرائيل النووي في مركز ديمونا، ودفع ثمن ذلك بسجنه لسنوات طويلة. ويؤكد الكاتب أن النشاطات النووية الإسرائيلية إستمرت وتوسعت، مشيراً إلى تقارير مصادر مستقلة تفيد بأن تل أبيب تمتلك «ما لا يقل عن 90 رأساً نووياً»، وهو رقم يجعلها صاحبة أكبر ترسانة نووية بين الدول غير الأعضاء في «النادي النووي» الرسمي، بعد كوريا الشمالية.

السؤال المركزي: لماذا لم يُستخدم السلاح النووي حتى الآن؟

يطرح أورلوف السؤال الجوهري: «لماذا لم تستخدم تل أبيب سلاحها النووي حتى الآن، رغم ما يبدو أنه هزيمة محتملة في حرب أشعلتها بنفسها؟». ويستبعد أن يكون ترامب قادراً على رفض مطالب «مشغليه الصهاينة»، لكنه يرى أن الرئيس الأمريكي يواجه ضغوطاً داخلية كبيرة.

ضغوط ترامب: الإنتخابات والإبتزاز والوعود

يشير الكاتب إلى أن الدعم الشعبي للحزب الجمهوري تراجع إلى نحو 30% فقط قبل أقل من ستة أشهر من الإنتخابات النصفية للكونغرس، مما يضغط على ترامب للخروج من النزاع بطريقة تحفظ ماء الوجه. ويعدد أورلوف أدوات الضغط الإسرائيلية المفترضة على ترامب:
- معلومات لدى الموساد حول «ملفات إبستاين».
- وعود بمنح الولايات المتحدة قطاع غزة لتحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط».
- احتمال تقديم «تاج الماشيح»* (المسيح اليهودي) الذي ينبئ به العهد القديم.

الخوف الإسرائيلي من الرد الإيراني

يصل أورلوف إلى الجوهر الإستراتيجي: حتى لو أراد نتنياهو إستخدام السلاح النووي دون تنسيق مع واشنطن، فإنه يدرك أن إيران سترد فوراً. ويكتب: «سيكون أول وأهم أهداف الفرس، وبضمانة مئة بالمائة، المفاعل النووي في مركز الأبحاث بديمونا. بالنسبة لإسرائيل الصغيرة الحجم، يعني ذلك تدمير كل ما هو حي. ليس فقط أرض الميعاد، بل جيرانها أيضاً، سيصبحون صحراء خالية من الحياة لمئات السنين».
ويؤكد الكاتب أن الشعب الإسرائيلي لن يسمح لأي رئيس وزراء بتعريض «إمكانية العيش على هذه الأرض» للخطر، خاصة مع أهمية جبل الهيكل في القدس لبناء «الهيكل الثالث». ويستند إلى تجارب ما بعد 28 فبراير التي أظهرت ضعف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.

تقييم أورلوف النهائي: ميزان القوى والزمن

يخلص فيتالي أورلوف إلى أن الوضع الحالي «مربح تماماً» لإيران، التي تمتلك «مخرجاً وزمناً كثيراً»، بينما يفتقر خصومها إلى كلا العنصرين. ويصف الموقف بأنه «مسرحية جيوسياسية مأساوية مشوقة»، لا يمكن التكهن بنهايتها بعد.

خاتمة

يقدم مقال فيتالي أورلوف رؤية مثيرة للجدل تركز على الحسابات الإستراتيجية الدقيقة التي تحول دون إستخدام «الخيار النووي» رغم التهديدات المتكررة. سواء إتفق المراقبون مع إستنتاجاته أم ا
إختلفوا، فإن النقاط التي أثارها — حول توازن الردع، والضغوط السياسية الداخلية، والمخاطر البيئية والوجودية طويلة الأمد — تبقى محور نقاش إستراتيجي مهم في الأزمة الراهنة.
يظل السؤال معلقاً: هل سيكون «خيار شمشون» مجرد أداة ضغط سياسي، أم أن المنطق الإستراتيجي البارد سيمنعها من التحول إلى واقع مأساوي؟ الزمن، كما يقول أورلوف، هو العامل الحاسم حالياً.

*****

هوامش

1) «تاج الماشيح» (بالعبرية: כתר המשיח) يشير إلى منصب أو لقب الماشيح (المسيح المنتظر) في اليهودية.
هو الملك المخلّص الذي يُعتقد أنه سيأتي في نهاية الأيام ليحكم العالم من القدس، يُعيد بناء الهيكل الثالث، ويجمع اليهود، ويُحقق السلام العالمي حسب التوراة.
2) «خيار شمشون» (Samson Option) — الاستعداد لاستخدام كل القدرات النووية كملاذ أخير.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن