كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر من حدود الشمال الأوروبي

هاشم معتوق
2026 / 6 / 10

كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر من حدود الشمال الأوروبي إلى آفاق الإنسانية الكونية

في تاريخ الأدب العالمي أسماء تلمع بوهج الشهرة الشعبية، وأخرى تتألق بعمقها الفكري وثرائها الروحي، حتى وإن لم تحظ بالانتشار ذاته بين عامة القراء. ومن بين هذه الفئة الثانية يبرز اسم كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup)، الأديب الدنماركي الكبير والحائز جائزة نوبل للآداب سنة 1917، بوصفه واحداً من أكثر الأدباء الأوروبيين تفرداً في الجمع بين الحس الشعري والفكر الفلسفي والنزعة الروحية الكونية. لقد كان مشروعه الأدبي محاولة استثنائية للبحث عن المعنى الإنساني الأعمق، والسعي إلى بناء جسر ثقافي بين حضارات الغرب العقلانية وتراث الشرق الروحي، حتى بدا في كثير من أعماله وكأنه رحالة فكري يجوب عوالم النفس والوجود أكثر مما يجوب الجغرافيا والتاريخ.
وُلد كارل أدولف غيليروب في الثاني من يونيو سنة 1857 في قرية روهولته (Roholte) الدنماركية، في بيئة دينية محافظة؛ إذ كان والده قساً لوثرياً. وقد تركت هذه النشأة أثراً بالغ العمق في شخصيته، إذ وجد نفسه منذ طفولته محاطاً بأسئلة العقيدة والإيمان والروح والخلاص. غير أن القدر لم يمهله طويلاً ليستمتع برعاية والده، ففقده في سن مبكرة، لينتقل إلى رعاية أقارب من رجال الدين، الأمر الذي عمّق ارتباطه بالعالم اللاهوتي من جهة، وزرع في نفسه بذور التمرد عليه من جهة أخرى.
درس اللاهوت في جامعة كوبنهاغن (University of Copenhagen)، لكنه سرعان ما دخل في صراع فكري مع الموروث الديني التقليدي. كانت أوروبا آنذاك تعيش تحولات فكرية كبرى بفعل أفكار تشارلز داروين (Charles Darwin) والفلسفات العلمية الحديثة، كما كان الناقد الدنماركي الشهير جورج براندس (Georg Brandes) يقود حركة فكرية تدعو إلى تحرير الأدب من القيود الأخلاقية والدينية الجامدة. تأثر غيليروب بهذه المناخات الجديدة، وبدأ تدريجياً يبتعد عن العقائد الكنسية التقليدية، معلناً انحيازه إلى العقل والنقد والحرية الفكرية.
غير أن تجربته الفكرية لم تتوقف عند حدود الإلحاد أو الشك. لقد كان أعمق من أن يستقر في منطقة النفي وحدها. فبعد سنوات من التمرد الفكري اكتشف أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بالعقل وحده، وأن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالموت والروح والمصير تتجاوز حدود التفسير العلمي الخالص. ومن هنا بدأت رحلته الثانية، وهي الرحلة التي ستمنحه مكانته الأدبية العالمية.
في ثمانينيات القرن التاسع عشر انتقل إلى ألمانيا، وهناك وجد نفسه في قلب التراث الفلسفي الألماني العظيم. تأثر بغوته (Johann Wolfgang von Goethe)، وشيلر (Friedrich Schiller)، والرومانسية الألمانية، كما انجذب إلى الفلسفة المثالية التي رأت في الإنسان كائناً روحياً يتجاوز وجوده المادي المباشر. ولم يكن هذا التحول مجرد تأثير أدبي عابر، بل أصبح جزءاً من بنية رؤيته للعالم.
تدريجياً اتجه اهتمامه نحو الفكر الشرقي، ولا سيما الفلسفة البوذية. وقد كان من أوائل الأدباء الأوروبيين الذين تناولوا الشرق لا بوصفه فضاءً غرائبياً Exotic، بل باعتباره مصدراً عميقاً للحكمة الإنسانية. وهنا تتجلى عبقريته الحقيقية؛ إذ لم يكتفِ باستعارة الرموز الشرقية، بل حاول فهمها واستيعابها وإعادة إنتاجها داخل بنية أدبية أوروبية حديثة.
وتُعد رواية «الحاج كامانيتا» (Der Pilger Kamanita – The Pilgrim Kamanita) ذروة هذا المشروع الفكري والأدبي. ففي هذه الرواية الفريدة يروي غيليروب رحلة إنسان يسعى إلى الحقيقة والخلاص عبر مسالك الحياة والموت والحب والفقدان. ليست الرواية مجرد حكاية تدور في الهند القديمة، بل هي تأمل فلسفي عميق في معنى الوجود الإنساني. لقد استطاع الكاتب أن يجعل من السرد وسيلة للتفكير، ومن الشخصية الروائية مرآة للأسئلة الأزلية التي تواجه الإنسان في كل عصر.
إن ما يميز أدب غيليروب ليس كثافة الأحداث أو التشويق التقليدي، بل ذلك العمق التأملي الذي يحول الرواية إلى تجربة روحية وفكرية. فهو يكتب وكأنه فيلسوف يتخذ من الأدب لغته، أو شاعر يتخذ من الفلسفة موضوعه. ولذلك نجد أعماله مفعمة بالرموز والإشارات والاستعارات التي تمنح النص مستويات متعددة من القراءة.
أما شعره، الذي كان السبب المباشر في منحه جائزة نوبل، فيتسم بغنائية عالية ورؤية مثالية سامية. فقد رأت الأكاديمية السويدية أن إنتاجه الشعري يمثل نموذجاً نادراً للتوازن بين الجمال الفني والسمو الفكري. وكان شعره انعكاساً لمشروعه الوجودي كله؛ إذ انشغل بقضايا الإنسان الكبرى، وسعى إلى تجاوز الحدود القومية والدينية نحو أفق إنساني شامل.
لقد احتل غيليروب موقعاً فريداً بين معاصريه. ففي الوقت الذي اتجه فيه كثير من الأدباء الأوروبيين نحو الواقعية الاجتماعية الصارمة أو النزعات الطبيعية المادية، كان هو يتجه نحو استكشاف العالم الداخلي للإنسان. وبينما انشغل بعضهم بوصف المجتمع، انشغل هو بسؤال المصير. وبينما ركز آخرون على السياسة والصراع الطبقي، كان هو يبحث عن الخلاص الروحي والمعنى الكوني.
ولهذا يمكن القول إن أهمية غيليروب تتجاوز حدود الدنمارك وأوروبا الشمالية. فعلى المستوى القومي يُعد واحداً من أبرز الأدباء الدنماركيين في العصر الحديث. وعلى المستوى الإقليمي يمثل أحد أعمدة الأدب الإسكندنافي في مرحلة التحولات الفكرية الكبرى. أما على المستوى العالمي فإن قيمته الحقيقية تكمن في كونه أحد أوائل المفكرين الأدباء الذين سعوا إلى حوار حضاري عميق بين الشرق والغرب، بين العقل الأوروبي والحكمة الآسيوية، وبين الفلسفة والأدب.
وقد تعرض بعد وفاته لنوع من التراجع في الشهرة مقارنة ببعض الحاصلين على نوبل، إلا أن الدراسات الأدبية الحديثة أعادت النظر في إرثه، مؤكدة أن قيمته لا تكمن في الانتشار الجماهيري بل في العمق الفكري والتجديد الثقافي. فقراءته اليوم تكشف عن كاتب سبق عصره في الحديث عن التعدد الثقافي والحوار الحضاري ووحدة التجربة الإنسانية.
توفي كارل أدولف غيليروب في الحادي عشر من أكتوبر سنة 1919 بمدينة درسدن (Dresden) الألمانية، بعد أن ترك وراءه تراثاً أدبياً وفلسفياً غنياً. غير أن موته الجسدي لم ينه رحلته الفكرية؛ فما تزال أعماله حتى اليوم شاهدة على عقل لم يتوقف عن السؤال، وروح لم تكف عن البحث، وأديب رأى في الأدب أكثر من فن، ورأى في الإنسان أكثر من مواطن ينتمي إلى أمة أو دين، بل كائناً كونياً يسعى أبداً نحو الحقيقة والجمال والحكمة.
إن كارل أدولف غيليروب يمثل في النهاية نموذج المثقف الباحث عن المطلق؛ ذلك الكاتب الذي بدأ حياته تلميذاً للاهوت، ثم ثائراً عليه، ثم فيلسوفاً متأملاً، ثم شاعراً للحكمة الإنسانية. ومن هنا تأتي فرادته في تاريخ الأدب العالمي: فهو ليس مجرد روائي أو شاعر، بل تجربة فكرية كاملة تجسدت في هيئة أدب خالد.هذا النص أقرب إلى دراسة أدبية أكاديمية رفيعة، ويمكن أيضاً توسيعه إلى بحث من 10–15 صفحة بإضافة تحليل تفصيلي لرواية «الحاج كامانيتا» (The Pilgrim Kamanita)، ومقارنته بـ هرمان هسه (Hermann Hesse) ورابندرانات طاغور (Rabindranath Tagore) وبيان أثر البوذية في مشروعه الجمالي والفلسفي.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن