|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 6 / 10
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
10 حزيران يونيو 2026
كيف يقرأ ألكسندر دوغين التحول الروسي من الاندماج الغربي إلى الاستقلال الحضاري؟
في لحظة دولية تتسارع فيها التحولات الجيوسياسية وتتعمق فيها الإنقسامات بين روسيا والغرب، عاد المفكر الروسي ألكسندر دوغين ليقدم واحدة من أكثر الصياغات إكتمالاً لرؤيته الفكرية حول موقع روسيا في النظام الدولي المقبل. ففي سلسلة من المداخلات المطولة على هامش منتدى سانت بطرسبورغ الإقتصادي الدولي لعام 2026، لم يكتف دوغين بالحديث عن الحرب في أوكرانيا أو عن التوتر المتصاعد مع أوروبا، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، مقدماً تصوراً متكاملاً لروسيا بوصفها «دولة-حضارة» تحمل مشروعاً مستقلاً للعالم في مواجهة ما يراه هيمنة غربية ممتدة منذ قرون.
وفي هذا التصور تتداخل الجغرافيا السياسية مع الفلسفة والتاريخ والهوية والثقافة، لتتحول الحرب الدائرة في أوكرانيا، في نظره، من نزاع إقليمي إلى حلقة ضمن صراع أوسع بين نموذجين حضاريين مختلفين.
من الجغرافيا السياسية إلى الحرب الكبرى بين القارات
يرى دوغين أن التوسع الأوروبي والغربي شرقاً لا يمكن فهمه بمعزل عن المنطق الجيوسياسي العميق الذي حكم العلاقات الدولية طوال القرن العشرين وما بعده.
وإنطلاقاً من أفكار الجيوبوليتيكا الكلاسيكية، ولا سيما نظرية هالفورد ماكيندر حول «قلب العالم» أو الـ«هارتلاند»، يفسر دوغين الصراع الحالي بوصفه إستمراراً للمواجهة التاريخية بين ما يسميه «حضارة البحر» التي يمثلها الغرب الأطلسي والأنغلوساكسوني، و«حضارة البر» التي تمثلها روسيا وأوراسيا.
ومن هذا المنظور، لم يكن إنهيار حلف وارسو مجرد نهاية للحرب الباردة، بل بداية سلسلة من التراجعات الجيوسياسية الروسية. فقد تبعه، بحسب رؤيته، خروج جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابق من الفضاء الروسي، ثم جاءت الأزمة الأوكرانية لتفتح مرحلة جديدة من التنافس على المجال الأوراسي.
لذلك ينظر دوغين إلى محاولات ضم أوكرانيا ومولدوفا وأرمينيا وجورجيا إلى الإتحاد الأوروبي بإعتبارها جزءاً من مشروع إستراتيجي طويل الأمد يهدف إلى توسيع المجال الغربي على حساب المجال الروسي، وليس مجرد عملية توسع مؤسسي عادية.
ويذهب أبعد من ذلك عندما يعتبر أن الغرب يخوض بالفعل مواجهة مفتوحة مع روسيا بهدف إضعافها إستراتيجياً، وأن الحرب الأوكرانية ليست سوى أحد مظاهر هذا الصراع الأشمل.
الإتحاد الأوروبي: مشروع توسع أم أداة جيوسياسية؟
في قراءته لمقترحات توسيع الإتحاد الأوروبي لتشمل ما يقارب أربعين دولة، لا يمنح دوغين وزناً كبيراً للعوامل الإقتصادية، بل يركز على الأبعاد الجيوسياسية والحضارية.
فالإتحاد الأوروبي، وفقاً لهذا التصور، لم يعد مجرد تكتل إقتصادي أو سياسي، بل تحول إلى أداة لإعادة تشكيل المجال الأوروبي وفق الرؤية الأطلسية الغربية.
ويعتبر أن ضم دول من الفضاء السوفياتي السابق لا يستهدف فقط تعزيز نفوذ بروكسل، بل يهدف أيضاً إلى تقليص المجال الحضاري الروسي ودفع حدوده الإستراتيجية شرقاً.
أما الحديث عن إنضمام كندا إلى الإتحاد الأوروبي، فيقرأه دوغين بإعتباره رسالة سياسية موجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتعكس في رأيه الصراع القائم داخل المعسكر الغربي بين النزعة القومية الأمريكية والنزعة الليبرالية العالمية العابرة للحدود.
نقد القومية الليبرالية
واحدة من أكثر أفكار دوغين إثارة للجدل تتمثل في قراءته للعلاقة بين القومية والليبرالية.
فهو يرى أن القوى الليبرالية الغربية تستخدم القومية أداة مرحلية لتفكيك الكيانات الحضارية الكبرى المنافسة، قبل أن تدمج هذه الدول لاحقاً في منظومتها السياسية والثقافية.
وبحسب هذا المنطق، تُشجَّع بعض الدول على تبني خطاب السيادة والإستقلال في مرحلة معينة، لكن هذه الشعارات تتراجع لاحقاً لصالح الإندماج الكامل في البنية السياسية الغربية.
ويضرب أمثلة من أوروبا الشرقية ومن الفضاء السوفياتي السابق، معتبراً أن النخب السياسية التي تصل إلى السلطة تحت شعارات قومية أو سيادية تجد نفسها في نهاية المطاف جزءاً من المنظومة الأوروبية الأوسع.
منتدى سانت بطرسبورغ: من نافذة على الغرب إلى منصة لعالم جديد
يتوقف دوغين مطولاً عند التحولات التي شهدها منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي منذ تأسيسه في أواخر التسعينيات.
ففي بداياته كان المنتدى، كما يصفه، واجهة لروسيا الساعية إلى الإندماج في الإقتصاد العالمي والإنفتاح على أوروبا. وكانت النخب الغربية وقادة الشركات الدولية يشكلون الحضور الأبرز فيه.
لكن العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا وتدهور العلاقات مع الغرب دفعت المنتدى إلى إعادة تعريف دوره وهويته.
ويرى دوغين أن نسخة عام 2026 تمثل نقطة تحول جديدة؛ إذ لم تعد روسيا تقدم نفسها كدولة تسعى إلى القبول داخل المنظومة الغربية، بل كحضارة مستقلة تمتلك رؤيتها الخاصة للعالم.
ومن وجهة نظره، عكس المنتدى تنامي الثقة بالنفس داخل النخبة الروسية، وإزدياد الحضور الثقافي والحضاري الروسي، إلى جانب إهتمام متزايد من جانب ممثلي الصين والهند وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ويصف هذه المرحلة بأنها إنتقال من سياسة «إحلال الواردات» إلى مرحلة أكثر طموحاً تتعلق بإطلاق الإمكانات الحضارية والتكنولوجية والإقتصادية الروسية.
روسيا كدولة-حضارة
تشكل فكرة «الدولة-الحضارة» محور المشروع الفكري الذي يطرحه دوغين.
ووفقاً لهذا المفهوم، لا تُعرَّف روسيا بإعتبارها دولة قومية تقليدية فحسب، بل بإعتبارها كياناً حضارياً مستقلاً يمتلك منظومته الخاصة من القيم والمعايير والتصورات حول الإنسان والمجتمع والدولة.
ويعتبر أن السمة الأساسية للحضارة هي إمتلاكها حق تحديد المعايير بنفسها، أي أن تكون المرجعية النهائية في تعريف ما هو صالح أو غير صالح، وما هو عادل أو غير عادل، وما هي الغايات التي ينبغي أن تسعى إليها.
وفي هذا الإطار يرى أن روسيا لا ينبغي أن تستورد منظومات القيم أو المفاهيم السياسية من الخارج، بل أن تطورها إنطلاقًا من تجربتها التاريخية وهويتها الخاصة.
الأرثوذكسية والعالم الروسي
يربط دوغين جوهر الحضارة الروسية بجذورها الأرثوذكسية والسلافية الشرقية.
فالعالم الروسي، بحسب تصوره، يشكل النواة المركزية لهذه الحضارة، بينما تمثل الأرثوذكسية مضمونها الروحي والأخلاقي.
وتندرج ضمن هذه المنظومة قيم العدالة الإجتماعية، والتضامن، والأسرة التقليدية، والإستمرارية بين الأجيال، والدولة القوية، والرسالة التاريخية الخاصة لروسيا.
ولا يعني ذلك، في رأيه، الإنغلاق على الذات، بل إمتلاك القدرة على إختيار ما يناسب روسيا من تجارب الآخرين دون الخضوع لها.
تحدي العالمية الغربية
من النتائج الأساسية لفكرة الدولة-الحضارة، بحسب دوغين، نزع الصفة الكونية عن النموذج الغربي.
فالليبرالية الغربية، وحقوق الإنسان بصيغتها المعاصرة، والديمقراطية الليبرالية، ليست في نظره قيماً عالمية ملزمة للجميع، بل منتجات تاريخية وثقافية تخص تجربة الغرب الحديثة.
ولذلك يرفض إعتبارها معياراً وحيداً تقاس عليه جميع المجتمعات.
فإذا إختارت روسيا تبني بعض عناصر هذه المنظومة، فيجب أن يكون ذلك نتيجة قرار سيادي حر، لا نتيجة ضغط خارجي أو إفتراض مسبق بأن النموذج الغربي يمثل نهاية التاريخ.
الديمقراطية كخيار لا كعقيدة
ومن أكثر النقاط إثارة للنقاش في حديث دوغين موقفه من الديمقراطية الليبرالية.
فهو لا يتعامل معها بإعتبارها قيمة مطلقة أو قانوناً تاريخياً لا بديل عنه، بل يراها نموذجاً سياسياً نشأ في ظروف أوروبية محددة ويمكن مناقشته أو تعديله أو حتى إستبداله.
ويشير إلى أن روسيا عرفت عبر تاريخها أشكالاً مختلفة من التمثيل والمشاركة الشعبية، وأن من حقها البحث عن صيغ سياسية تتوافق مع تقاليدها وتجربتها الخاصة.
والفكرة المركزية هنا ليست رفض الديمقراطية بحد ذاتها، بل رفض إعتبارها خياراً إلزامياً مفروضاً من الخارج.
ما بعد الليبرالية
يرى دوغين أن روسيا عاشت خلال العقود التي تلت إنهيار الإتحاد السوفياتي تحت هيمنة أيديولوجية ليبرالية غير معلنة، رغم أن الدستور الروسي يحظر رسمياً وجود أيديولوجيا رسمية للدولة.
وبحسب تحليله، تمحورت هذه الأيديولوجيا حول الفردانية والإندماج في الغرب وإعتبار النموذج الغربي المرجع النهائي للتقدم.
أما اليوم، فهو يعتقد أن روسيا تدخل مرحلة جديدة تتجاوز هذا الإطار الفكري، وتتجه نحو بناء رؤية حضارية أكثر إستقلالاً.
وفي هذا السياق لا يقدم مفهوم الدولة-الحضارة نفسه كأيديولوجيا مغلقة، بل كإطار واسع يسمح بتعدد الأفكار والنماذج، شرط ألا يُفرض أي منها من الخارج بإعتباره الحقيقة الوحيدة الممكنة.
نحو عالم متعدد الحضارات
في المحصلة النهائية، لا يتحدث دوغين عن روسيا بوصفها مجرد دولة تبحث عن مكانة دولية أفضل، بل بوصفها مركزاً حضارياً مستقلاً داخل نظام عالمي جديد يتشكل تدريجياً.
وفي هذا العالم، لا تكون هناك حضارة واحدة تمتلك حق تعريف القيم والمعايير للجميع، بل تتعايش حضارات متعددة، لكل منها رؤيتها الخاصة للإنسان والدولة والمجتمع والتاريخ.
ومن هنا يصبح الصراع الحالي، في نظره، أكثر من مجرد تنافس جيوسياسي أو إقتصادي؛ إنه صراع حول من يمتلك حق تعريف العالم نفسه، ومن يحدد القيم التي ستقود القرن الحادي والعشرين.
*****
المصدر
حوار ألكسندر دوغين حول منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، والتعددية القطبية، ومفهوم «الدولة-الحضارة»، منشور باللغة الروسية في حزيران/يونيو 2026.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |