بريكس على صفيح الشرق الأوسط الساخن: هل تكشف أزمة إيران والإمارات حدود التكتل الصاعد؟

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 9

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

10 حزيران يونيو 2026

في مقاله التحليلي المنشور بتاريخ 19 مايو/أيار 2026 بعنوان: «الصدى الشرق أوسطي لقمة بريكس في الهند: هل يمكن تجاوز الإنقسامات؟»، يتناول الكاتب والمحلل الروسي يوري مافاشيف واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية داخل تكتل بريكس بعد توسعه الأخير: كيف يمكن لتحالف يضم قوى متنافسة إقليمياً أن يتحول إلى قطب سياسي متماسك في عالم يتجه نحو تعددية معقدة ومتداخلة؟
المقال، الذي نُشر في القسم السياسي لمنصة مؤسسة الثقافة الإستراتيجية، لا يكتفي بسرد وقائع إجتماع وزراء خارجية دول بريكس في نيودلهي، بل يقدّم قراءة أعمق لطبيعة التصدعات التي بدأت تظهر داخل التكتل، خصوصاً على خلفية الحرب الإقليمية المرتبطة بإيران، والإنقسام الحاد حول كيفية توصيفها والتعامل معها.

إجتماع بلا بيان… ورسالة سياسية ثقيلة

إنتهى إجتماع وزراء خارجية بريكس في العاصمة الهندية من دون إصدار بيان مشترك، وهي مسألة بدت للكثيرين تفصيلاً بروتوكولياً، لكنها في الواقع تحمل دلالة سياسية بالغة الأهمية.
فالخلاف هذه المرة لم يكن تقنياً أو لغوياً، بل مسَّ جوهر الرؤية السياسية للتكتل تجاه واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط.
ويشير يوري مافاشيف إلى أن الوفد الإيراني بقيادة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سعى للحصول على إدانة صريحة للهجمات التي تتعرض لها إيران، لكن هذا الطرح إصطدم مباشرة بالموقف الإماراتي، حيث رفضت الإمارات العربية المتحدة القبول بصياغات قد تُفهم بإعتبارها إنحيازاً كاملاً لطهران، خاصة في ظل التوترات الأمنية والهجمات المتبادلة التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
ومن هنا، برزت للمرة الأولى بشكل واضح حدود التوافق داخل بريكس، ليس بوصفه تكتلاً إقتصادياً فقط، بل كمشروع سياسي يحاول تقديم نفسه بديلاً عن الهيمنة الغربية.

حرب الروايات… والإعلام كجزء من المعركة

يتوقف الكاتب مطولاً عند ما يسميه «التضخيم الإعلامي الغربي» للخلاف الإيراني ـ الخليجي.
فخلال أيام الإجتماع، تداولت وسائل إعلام أمريكية وغربية تقارير تحدثت عن ضربات إماراتية وسعودية سرية داخل الأراضي الإيرانية أو ضد مجموعات حليفة لطهران في العراق.
ورغم غياب أي تأكيد رسمي من أبوظبي أو الرياض، فإن هذه الروايات ـ بحسب المقال ـ لم تكن مجرد تسريبات صحفية عابرة، بل جزءاً من معركة أوسع لإعادة رسم صورة الإصطفافات الإقليمية في الشرق الأوسط.
فالرسالة الضمنية التي حاولت تلك التقارير ترسيخها هي أن بعض القوى الخليجية لم تعد تكتفي بسياسة الإحتواء، بل باتت أقرب إلى الإنخراط المباشر في المواجهة مع إيران، سواء سياسياً أو أمنياً.

الخلاف أعمق من مجرد أزمة عابرة

يرى يوري مافاشيف أن التوتر بين إيران والإمارات ليس خلافاً ظرفياً يمكن إحتواؤه بسهولة، بل إنعكاس لتناقضات أعمق تتعلق بشكل النظام الإقليمي ومستقبل موازين القوة في الشرق الأوسط.
إيران تنظر إلى نفسها بإعتبارها قوة إقليمية كبرى تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات بعيداً عن النفوذ الأمريكي، بينما تتبنى الإمارات مقاربة مختلفة تقوم على الإستقرار الإقتصادي والإنفتاح العالمي والشراكات المرنة مع القوى الكبرى.
وهذا التباين يجعل من الصعب على الطرفين الإتفاق على رؤية موحدة للأمن الإقليمي، حتى وهما يجلسان داخل التكتل نفسه.

الهند… براغماتية القوة الصاعدة

من أكثر النقاط أهمية في المقال إضاءته على الموقف الهندي.
فالهند، إلى جانب البرازيل وبعض الدول الأخرى، تتجنب تبنّي مواقف حادة قد تؤدي إلى توتر مباشر مع الولايات المتحدة.
وهنا يكشف المقال حدود فكرة «وحدة الجنوب العالمي»، إذ إن كثيراً من الدول المنضوية في بريكس لا ترى نفسها جزءاً من محور مضاد للغرب، بل تعتبر التكتل أداة لتوسيع هامش المناورة السياسية والإقتصادية فقط.
فالهند، رغم شراكتها مع روسيا والصين داخل بريكس، لا تزال مرتبطة بعلاقات إستراتيجية وإقتصادية عميقة مع الغرب، كما أنها تنظر بقلق إلى تنامي النفوذ الصيني في آسيا.
ولذلك، فإن نيودلهي تفضّل الحفاظ على التوازن بدل الإنخراط في خطاب تصادمي مباشر.

الصين وروسيا… دعم واضح لكن بحسابات مختلفة

في المقابل، إتخذت كل من الصين وروسيا مواقف أكثر وضوحاً في إنتقاد العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
لكن الكاتب يلمّح إلى أن هذا التقارب لا يعني بالضرورة وجود رؤية موحدة بالكامل بين موسكو وبكين.
فالصين تنظر إلى إستقرار الشرق الأوسط من زاوية الطاقة والتجارة ومبادرة «الحزام والطريق»، بينما ترى روسيا في التوترات الإقليمية فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى الدولي وإضعاف النفوذ الأمريكي.
أي أن الطرفين يلتقيان تكتيكياً، لكن لكل منهما أولوياته الخاصة.

هل توسّع بريكس بسرعة أكبر من اللازم؟

واحدة من أكثر الأفكار قوة في المقال تتمثل في التشكيك الضمني بجدوى التوسع السريع داخل بريكس.
فالكاتب يرى أن ضمّ خصوم إقليميين إلى التكتل من دون إنشاء آليات فعلية لإدارة النزاعات قد يؤدي إلى تحويله إلى إطار رمزي أكثر منه مؤسسة قادرة على إتخاذ مواقف موحدة.
بمعنى آخر، كلما توسع بريكس جغرافياً، ازدادت صعوبة الوصول إلى توافق سياسي داخله.
وهذه ليست مشكلة عابرة، بل معضلة بنيوية قد تواجه مستقبل التكتل بأكمله.

الإقتصاد يتقدم على السياسة

وفي ختام مقاله، يشير يوري مافاشيف إلى الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي إلى الإمارات، حيث تم توقيع إتفاقيات تتعلق بالدفاع والطاقة والغاز الطبيعي المسال والإحتياطات النفطية الإستراتيجية ضمن مشروع الممر الإقتصادي «الهند – الشرق الأوسط – أوروبا».
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: فعلى الرغم من تعثر التوافق السياسي داخل بريكس، تستمر المصالح الإقتصادية الثنائية في التوسع بوتيرة متسارعة.
وكأن الرسالة الحقيقية التي يبعث بها المشهد الإقليمي اليوم تقول إن الإقتصاد لا ينتظر إكتمال التوافقات الجيوسياسية، بل يفرض منطقه الخاص حتى وسط أكثر الأزمات تعقيداً.

خاتمة

يكشف مقال يوري مافاشيف أن بريكس يقف اليوم أمام إختبار حقيقي يتجاوز الشعارات المتعلقة بالعالم المتعدد الأقطاب.
فإما أن ينجح التكتل في بناء آليات قادرة على إدارة التناقضات الداخلية وصياغة رؤية سياسية مشتركة، وإما أن يبقى مجرد منصة تجمع قوى متنافسة تحت عنوان واسع وفضفاض.
وفي عالم تتزايد فيه الأزمات الإقليمية والتنافسات الدولية، قد لا يكون كافياً أن تمتلك الدول طموحاً مشتركاً لتغيير النظام العالمي، ما لم تمتلك أيضاً القدرة على الإتفاق فيما بينها حول شكل هذا التغيير وحدوده وإتجاهاته.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن