سرد تاريخي لظهور الرأسمالية في روسيا/ الجزء الأول

زيد نائل العدوان
2026 / 6 / 9

منذ قديم الزمان، عندما نشأت الحضارات وتعددت وتباين البشر، صار للاقتصاد دورًا مهمًا يلعبه بخصوص المجتمعات البشرية، فلا مجتمع يمضي دون اقتصاد ما؛ بحيث يترابط الاقتصاد والمجتمع بشكل كبير جدًا، فالاقتصاد يعد أساس المجتمع من الناحية المالية والتجارية...الخ.
وأمام هذا كله، عرفت الدول منذ قديم الزمان أنظمة سياسية واقتصادية مختلفة ومتعددة، منها على سبيل المثال لا الحصر الرأسمالية، والاشتراكية، بالإضافة للشيوعية؛ حيث لعب كل نظام دورًا معينًا في تطوير الدول، وبحيث كرس المفكرون والفلاسفة شتى جهودهم كي يرسخوا هذه الأنظمة فكريًا ونظريًا، ويطوروا منها.
ومن بين كل هذه المجتمعات والأنظمة، يبرز النظام الرأسمالي في روسيا في القرن التاسع عشر كنظام أساسي ومهم، إذ لعب هذا النظام دورًا في تشكيل روسيا القيصرية كما عمل هذا النظام على تمهيد الأجواء لظهور ثورة البروليتاريا، فمن خلال هذا النظام، نالت الطبقة البرجوازية في روسيا ما لم تناله الطبقات البرجوازية في البلدان الأخرى، وعملت هذه الطبقة من خلال استغلالها لطبقة البروليتاريا على تسريع الثورة وزيادة الحنق المجتمعي.
ولكن، ومع ذلك، فإنه من المعروف أن روسيا قد وُجِدَت فيها الرأسمالية متأخرة، إذ وصلت الرأسمالية روسيا في القرن التاسع عشر بالعقد السادس المنصرم منه، فقبل العقد السادس من القرن التاسع عشر لم يكن هنالك وسائل إنتاج كثيرة في روسيا، وكان الشعب يعتمد على الفلاحة والحرف المختلفة الفردية كسبيل للعيش، كما كانت المهن الزراعية أو ما يُعرَف اليوم بطبقة (الفلاحين) موجودة في أغلب بقاع روسيا.
ومع قدوم هذا العقد -أي العقد السادس-؛ ظهرت المصانع الإنتاجية، وزاد ذلك من العامل الإنتاجي في روسيا؛ فقبل ظهور الطبقة العمالية، كانت الإنتاج في روسيا ضعيفًا بحكم القنانة، فالفلاحين لم يتمرسوا في الصنائع المختلفة، إنما ما عرفوه هو مجرد القيام بزراعة الأرض، وهذا بحد ذاته كان قد أضعف روسيا على مر السنين، فبينما البلدان الأخرى تتجه للصناعات الثقيلة، كانت روسيا ما تزال بلدًا زراعيًا بدائيًا.
ومما يُذَكر في كتب التاريخ، أن نظام القنانة؛ أي العبودية، كان موجودًا في روسيا حتى عام 1861، وهذا النظام كان يقوم على أن المالك يتملك قطعة أرض، كما يتملك شخص يزرعها، ويقوم هذا الشخص على تحصيل المال من خلال بيع المزروعات التي يحصلها، أو أن يكون له نصيب من المزروعات التي يحصلها، وبالتالي، يصبح لهذا الشخص دخل ثابت مما تنبته الأرض.
فالتطورات التي حصلت في روسيا في القرن التاسع عشر، ومحاولة لحاقها بوكب الدول المتقدمة، جعلتها تلغي القنانة والعبودية ولا تعترف بها، ومع ذلك فإن هذه العبودية اتخذت صورة مختلفة، وهو الظروف الغير ملائمة التي كانت تضعها طبقة البرجوازية وملاك المصانع للبروليتاريا، فالظروف هذه وإن لم تكن تسمى عبودية، إلا أنها كانت تتسم بسماتها من استغلال الحقوق وظلم العامل، بالإضافة إلى تهميشه كمجموعة وعدم إيلاء أي اهتمام لمطالبه الحياتية المختلفة كالمطلب في التعليم والمطلب في الصحة.
ومن الأمور المذكورة في كتب التاريخ الروسي، أن الغاء العبودية في روسيا بعد ستينات القرن التاسع عشر لم يكن بهذه السهولة، إذ أجبر الفلاحين على دفع ما يقارب ملياري روبل لملاك الأراضي، وذلك كضريبة على فك ارتباط الفلاحين بأسيادهم ملاك الأراضي، وقد أثار هذا الأمر انتقاد وحنق الفلاحين، مما مهد الطريق للثورة وللشيوعيين.
ومن ثم، وبعد إلغاء نظام القنانة في روسيا، كان الفلاح يضطر إلى استئجار الأرض المطلوب العمل بها، وكان الفلاح يقوم بدفع جزء من المال إلى السيد -أي مالك الأرض-، وكما كان يستعمل الفلاح أدواته الخاصة في فلاحة الأرض لا أدوات المالك، وأيضًا، وفوق كل هذا، كان الفلاح في روسيا يقوم بدفع نصف المحصول وإعطائه لمالك الأرض، وبالعموم، كانت مهنة الفلاحة في روسيا مهنة صعبة للغاية.
يعني، نتوصل إلى أن مهنة الفلاحة في روسيا كانت صورة من صور العبودية الحديثة، فقانونيًا كان الفلاح حر الإرادة، ولكن على أرض الواقع في روسيا كان الفلاح مستضعف الحق، فالقيصر الروسي عمل على تحرير الفلاح شكليًا، وذلك كي يقال عن روسيا القيصرية أنها تواكب الحداثة وتلحق بركب الدول الحديثة، ولكن فعليًا كان الأمر عكس ذلك، إذ كان يتم استغلال حقوق الفلاحين بشكل سيء.
وكان ملاك الأراضي يفرضون مختلف الوسائل التي يبتزون بها الفلاح، من الإيجار حتى الغرامات ووصولًا لمصادرة المحصولات، كان الفلاح مرغمًا على القيام بهذه الأمور، مما جعل روسيا من الناحية الزراعية تستمر في الضعف وترجع لوراء، إذ أن معظم الثروات والأموال كانت محتكرة بيد طبقة واحدة، وهي طبقة ملاك الأراضي (قبل ظهور الطبقة البرجوازية).
وهذا الأمر بالمحصلة سبب في فشل روسيا زراعيًا وحدوث مجاعات مختلفة في أنحاء روسيا كلها، بالإضافة إلى فشل مواسم المحاصيل الزراعية؛ لإن الفلاح لم يكن يقدر تحت الضغط أن ينتج محصولًا زراعيًا جيدًا، هذا غير أن الجو في روسيا لم يكن يساعد على إنتاج محاصيل زراعية جيدة، وبالتأكيد، ومع كل هذه العوامل، فإن دخول الأسر الفلاحية كانت تتراجع مع مرور الزمن؛ بسبب التعسف الذي يجرى عليهم، مما أدى إلى إفلاس عدد كبير من الفلاحين وعدم قدرتهم على أداء المطلوب منهم بجدارة.
فبالتالي، أصبح الفلاحون يتركون أعمالهم ويتجنبون مهنتهم، ويذهبون للقيام بالأعمال الحرفية المختلفة والمتغايرة، خصوصًا مع ظهور المصانع المختلفة، مما أدى إلى كثرة توافر الأيادي العاملة، فأدى ذلك إلى أن تكون الأيادي العاملة في روسيا أياد رخصية؛ لإن فرص العمل بروسيا قليلة والمتقدمين لهذه الأعمال كثيرة، فيؤدي هذا لرخص العرض والأجر المقدم من قبل أصحاب المصانع للطبقة البروليتارية وللأيادي العاملة، مما نتج عنه تفشي البطالة وانعدام مصادر الدخول للأسر الروسية.
ومن خلال أدنى قراءة لكتب التاريخ المختلفة، نتوصل إلى أن الطبقة البروليتارية والفلاحين كانوا عادةً ما يتم إيقاع عقوبة عليهم لأدنى الأسباب والمخالفات، فرجال المخابرات والشرطة والدرك كانوا دومًا على أهبة الاستعداد لقمع أي انتفاضة أو اعتراض يحصل من قبل الطبقة البروليتارية والأيادي العاملة ضد الظروف الاستغلالية التي يفرضها ملاك الأراضي عليهم، وهذا بدوره أدى لزيادة الغضب الشعبي وتنامي المشاكل الاجتماعية وتجهيز البيئة الروسية للقيام بثورة.
وتختلف كتب التاريخ في تاريخ إلغاء العقوبات الجسدية والقيام بالإصلاحات، فبعض الكتب تقول أن القيصر الروسي أصدر مرسومًا عام 1903 ميلادية؛ حمايةً لحقوق العمال والفلاحين، إذ يقضي هذا المرسوم بمنع القيام بمعاقبة الفلاحين والعمال، بينما تجادل كتب أخرى أن هذه الإصلاحات كانت مجرد إصلاحات شكلية وأنها كانت لمجرد امتصاص غضب الشعب لا أكثر ولا أقل.
إذًا، نصل من خلال القراءات المختلفة ومن خلال هذا المقال، إلى أن ظهور الرأسمالية في روسيا كانت مقترنة بالعقوبات المفروضة على طبقة الفلاحين، وأن تحول طبقة الفلاحين من الفلاحة إلى كونها أيادٍ عاملة تمتهن الصنائع الحرفية المختلفة ساهم في ظهور طبقة (البرجوازية) بالإضافة لقيام الثورة في روسيا.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن