|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

هاشم معتوق
2026 / 6 / 5
رومان رولان ضمير الإنسانية وصوت الروح الأوروبية
حين يُذكر الأدب الإنساني في القرن العشرين، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تتجاوز حدود اللغة والوطن لتصبح ملكاً للضمير الإنساني كله. ومن بين هذه الأسماء يتألق رومان رولان (Romain Rolland) بوصفه واحداً من أعظم الأدباء والمفكرين الذين أنجبتهم فرنسا الحديثة، لا لأنه كتب روايات خالدة فحسب، بل لأنه جعل من الأدب رسالة أخلاقية ومن الثقافة جسراً بين الشعوب ومن الفن وسيلة للدفاع عن كرامة الإنسان وحريته. لقد كان كاتباً ومؤرخاً للموسيقى وفيلسوفاً ومفكراً وإنسانياً ومناضلاً من أجل السلام، حتى غدا في زمن الحروب والعصبيات القومية صوتاً نادراً للعقل والضمير.
وُلد رومان رولان سنة 1866 في مدينة كلامسي الفرنسية، في مرحلة كانت أوروبا تعيش فيها تحولات فكرية وسياسية عميقة. وقد نشأ في بيئة ثقافية أتاحت له منذ وقت مبكر أن يكتشف شغفه بالفنون والتاريخ والموسيقى. وعندما انتقل إلى باريس ودرس في المدرسة العليا للأساتذة، بدأت تتشكل ملامح شخصيته الفكرية التي ستجمع لاحقاً بين صرامة المؤرخ، وحساسية الفنان، وقلق الفيلسوف الباحث عن المعنى.
لم يكن رولان من أولئك الأدباء الذين يكتفون بوصف العالم، بل كان يسعى إلى تغييره أخلاقياً وروحياً. ولذلك ظل طوال حياته مؤمناً بأن مهمة الأدب لا تقتصر على إنتاج الجمال، وإنما تتمثل أيضاً في الدفاع عن الإنسان ضد كل أشكال الاستبداد والكراهية والتعصب. ومن هنا جاءت كتاباته مشبعة بإيمان عميق بالحرية الفردية وبالقيم الإنسانية الكونية التي تتجاوز الحدود القومية والدينية والعرقية.
وقد تجلت هذه الرؤية بأوضح صورها خلال الحرب العالمية الأولى. ففي الوقت الذي انخرط فيه معظم المثقفين الأوروبيين في تأييد حكوماتهم وخطاباتها القومية، وقف رولان وحيداً تقريباً في مواجهة تيار الكراهية الجماعية، داعياً إلى السلام والتفاهم بين الشعوب. وكانت مقالاته الشهيرة التي جمعها تحت عنوان «فوق المعركة» شهادة أخلاقية نادرة في زمن انحدرت فيه أوروبا إلى أتون الدمار. ولم يكن موقفه هذا سهلاً؛ فقد تعرض لحملات من النقد والتشهير والاتهام بالخيانة، لكنه آثر أن يبقى وفياً لضميره ولإيمانه بأن الإنسانية أكبر من الأمم المتحاربة.
وإذا كان التاريخ قد حفظ لرولان مكانته كمفكر إنساني، فإن الأدب هو الذي منحه خلوده الحقيقي. وتبقى روايته الكبرى جان كريستوف (Jean-Christophe) الإنجاز الأعظم في مسيرته الإبداعية. هذه الرواية الملحمية التي امتدت على عشرة أجزاء ليست مجرد قصة موسيقي عبقري، بل هي سيرة روحية للإنسان الأوروبي الحديث في بحثه الدائم عن الحرية والحقيقة والجمال. لقد جعل رولان من بطله رمزاً للإنسان الذي يرفض الخضوع للسلطات الفكرية والاجتماعية، ويواصل السير في طريقه رغم العزلة وسوء الفهم والمعاناة.
إن «جان كريستوف» ليست رواية بالمعنى التقليدي فحسب، بل هي سيمفونية أدبية هائلة تتداخل فيها الفلسفة مع الموسيقى، والتاريخ مع علم النفس، والفرد مع المجتمع. وفي صفحاتها تتجسد رؤية رولان للإنسان المبدع بوصفه قوة أخلاقية وروحية قادرة على تجاوز حدود الزمان والمكان. ولهذا اعتبرها كثير من النقاد واحدة من أعظم الروايات الأوروبية في القرن العشرين.
ولم تقتصر عبقرية رولان على الرواية. فقد كتب المسرح والدراسات التاريخية والسير الفكرية والنقد الموسيقي. وكانت أعماله عن بيتهوفن وميكيلانجيلو وتولستوي وهاندل أكثر من مجرد سير ذاتية؛ إذ كانت محاولات لفهم العبقرية الإنسانية وكيفية مقاومة الروح المبدعة لقوى القهر والانحطاط. كان رولان مفتوناً بالشخصيات العظيمة التي استطاعت أن تحول المعاناة إلى إبداع، وأن تجعل من الألم مصدراً للنور.
ومن أكثر الجوانب فرادة في تجربته انفتاحه على الحضارات غير الأوروبية، ولا سيما الحضارة الهندية. ففي وقت كانت فيه أوروبا تنظر إلى الشرق من موقع التفوق الاستعماري، كان رولان يرى فيه مصدراً للحكمة الروحية والتجدد الأخلاقي. وقد أقام صلات فكرية وثيقة مع المهاتما غاندي ورابندرانات طاغور، وكتب عن راماكريشنا وفيفيكاناندا، مساهماً في بناء حوار ثقافي عميق بين الشرق والغرب. ولم يكن اهتمامه بالشرق مجرد فضول ثقافي، بل كان جزءاً من مشروعه الإنساني الرامي إلى اكتشاف الوحدة الكامنة وراء تنوع الحضارات.
وفي عام 1915 مُنح جائزة نوبل للآداب، وهو استحقاق لم يكن مكافأة على عمل أدبي واحد، بل اعترافاً بمشروع فكري وأخلاقي متكامل. فقد رأت الأكاديمية السويدية في أعماله مثالاً نادراً على التزاوج بين القوة الفنية والسمو الإنساني، وبين الجمال الأدبي والالتزام الأخلاقي. كان رولان يمثل صورة الكاتب الذي لا ينفصل فنه عن ضميره، ولا تنفصل رؤيته الجمالية عن مسؤوليته تجاه الإنسان.
إن أهمية رومان رولان تتجاوز فرنسا وأوروبا معاً. فقد أصبح رمزاً عالمياً للمثقف الحر الذي يرفض الانحياز إلى التعصب والكراهية. ومن خلال كتاباته ومواقفه أسهم في ترسيخ فكرة أن الثقافة ليست ملكاً لأمة بعينها، بل هي تراث إنساني مشترك. ولهذا ظل تأثيره ممتداً في أجيال من الأدباء والمفكرين والفنانين الذين وجدوا في تجربته نموذجاً للمثقف الملتزم بقيم الحقيقة والحرية والسلام.
لقد عاش رولان في عصر شهد حربين عالميتين وصعود الفاشية وأزمات الحضارة الأوروبية، لكنه لم يفقد إيمانه بالإنسان. وكانت رسالته الأساسية أن الروح البشرية، مهما تعرضت للانكسار، قادرة على النهوض من جديد عبر الفن والمعرفة والمحبة. ومن هنا تكمن عظمته الحقيقية: فهو لم يكن مجرد روائي كبير أو مفكر لامع، بل كان ضميراً أخلاقياً وحضارياً سعى طوال حياته إلى الدفاع عن الإنسان ضد كل ما يهدد إنسانيته.
وبعد أكثر من ثمانين عاماً على رحيله سنة 1944، ما يزال رومان رولان حاضراً في الذاكرة الثقافية العالمية بوصفه أحد آخر كبار الإنسانيين الذين آمنوا بأن الأدب يمكن أن يكون قوة للسلام، وأن الثقافة تستطيع أن توحد ما تفرقه السياسة، وأن الإنسان، رغم كل شيء، يظل القيمة العليا التي تستحق الدفاع عنها. ولذلك فإن قراءة رولان اليوم ليست عودة إلى كاتب من الماضي فحسب، بل هي استعادة لصوت أخلاقي ما تزال الإنسانية المعاصرة في أمسّ الحاجة إليه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |