الأسطورة، الهوية، والنجاة في رواية -إلى أن يُزهِر الصبّار-

ريتا عودة
2026 / 6 / 4

بقلم: الأديب د. اياد شماسنة
▪︎
▪︎

في الرواية، الآخر ليس مجرد عدو خارجي، بل يظهر أحياناً في الداخل: داخل الذات، داخل العلاقة، داخل الجسد. الخوف، الشك، الغيرة، كلها تمثل تغلغل العدو داخل الذات. الرواية تؤسس خطابًا نقديًا للهزيمة الداخلية، وتدعو إلى مصالحة الذات وتحريرها.

تنتقل الرواية بين مستويات زمنية متعددة: الزمن الأسطوري، زمن الطرد، زمن الطفولة، زمن الحب، زمن المقاومة. كما تتراوح جغرافيًا بين القصر، الجامعة، الساحة، السجن، الزنزانة، الشارع، والمخيم. هذه التعددية تخلق توترًا سرديًا غنيًا.

تصل الرواية ذروتها مع إعلان حياة ولادتها الجديدة. تتحول من أنثى مأسورة إلى أنثى حرة، من قارورة معزولة إلى صوت فاعل. بينما يظل آدم، وإن تطهر من الخطيئة، باحثًا عن خلاص لم يتحقق بعد. الصبّار لم يُزهِر بعد، لكنه حتمًا سيزهر. الحكاية لم تنتهِ، لكنها تجاوزت السقوط نحو النجاة.

رواية “إلى أن يُزهِر الصبّار” أكثر من قصة حب، إنها نص فلسفي – رمزي – سياسي عميق، يعيد مساءلة مفاهيم الذنب والخلاص، الوطن والمنفى، الأنثى والسلطة.

تكتب ريتا عودة نصًا معاصرًا ذا أبعاد متعددة، يجمع بين شجن الأدب وجمر التاريخ، بين فتنة اللغة وصوت الأرض. إنها رواية تنتمي إلى ما يسميه بول ريكور الزمن السردي، حيث تتشكل هوية الذات عبر الحكي، وتتجلى النجاة بوصفها فعلًا وجوديًا في المقام الأول.إننا أمام عمل روائي يجب أن يُقرأ مرارًا، لأنه لا يمنح أسراره دفعة واحدة، بل يزهر شيئًا فشيئًا… كما الصبّار.
■◇■◇■◇■◇■◇■◇■◇■◇■◇

هذا المقطع النقدي يحاول أن يقرأ رواية إلى أن يُزهِر الصبّار بوصفها أكثر من حكاية فلسطينية أو قصة حب، بل بوصفها رحلة وجودية نحو استعادة الذات. لكن خلف اللغة الأكاديمية الهادئة تختبئ أسئلة أكثر قسوة مما يبدو. ما يعجبني في الفكرة كلها أنها لا تتحدث عن الاحتلال بوصفه جندياً عند الحاجز فقط، بل بوصفه أثراً نفسياً يعيش في الروح.
فالإنسان قد يخرج من السجن ويبقى السجن فيه.
وقد يستعيد أرضه ويبقى منفياً عن نفسه.
لهذا يبدو “إزهار الصبّار” حدثاً داخلياً قبل أن يكون حدثاً وطنياً.
إنه لحظة يتوقف فيها الإنسان عن تعريف نفسه من خلال جراحه فقط. أقوى فكرة في المقال هي قوله إن الهوية تتشكل عبر الحكي.
وهذا قريب من أفكار الفيلسوف بول ريكور.
فالشعوب المقهورة لا تحافظ على وجودها بالسلاح فقط، بل بالرواية أيضاً.
حين تُسلب الأرض، تصبح الحكاية أرضاً بديلة.
وحين يُهدَّد التاريخ، تصبح الذاكرة شكلاً من أشكال المقاومة.

رغم عمق القراءة، ثمة ملاحظات يمكن تسجيلها:
1. كثافة الرمزية أحياناً
المقال يحتفي بالرموز أكثر مما يحتفي بالشخصيات.
فنحن نعرف ماذا ترمز حياة وماذا يرمز آدم، لكننا لا نعرف بما يكفي إن كانا شخصيتين حقيقيتين نابضتين أم مجرد حاملين لأفكار فلسفية.
وهذه مشكلة تقع فيها أحياناً الروايات الرمزية: تتحول الشخصيات إلى أفكار تمشي على قدمين.
2. تضخم الخطاب النظري
عندما يقال إن الرواية:
فلسفية.
رمزية.
سياسية.
وجودية.
يخشى القارئ أحياناً أن يصبح النص أكبر من حكايته.
فالرواية العظيمة لا تُقاس بعدد الأفكار التي تحملها، بل بقدرتها على جعل القارئ يشعر بها دون أن تشرحها له.
3. الرهان على النجاة أكثر من التغيير
النقد يحتفي بالنجاة كثيراً.
لكن يبقى سؤال مزعج:
هل النجاة وحدها تكفي؟
فالإنسان لا يريد فقط أن ينجو من القهر، بل يريد أن يغير شروط وجوده.
أحياناً تتحول ثقافة الصبر إلى فضيلة، وأحياناً تتحول إلى تكيّف طويل مع المأساة.
وهذا سؤال يظل مفتوحاً أمام الرواية نفسها. أن النجاة الحقيقية لا تبدأ حين يرحل القامع، بل حين يتوقف الخوف الذي زرعه عن إدارة حياتنا من الداخل.


الرواية باستضافة موقع " الحوار المتمدّن":
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=768534

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر