من نحن قبل الطوائف؟

أكرم شلغين
2026 / 6 / 4

حين أرى وأسمع وأقرأ ما يدور اليوم من جدل حول الدين أو الطائفة أو الهوية، يقفز إلى ذهني سؤال أبسط وأعمق: من كان أجدادنا قبل كل هذه الأسماء التي نتعارف بها اليوم؟
لقد عرفت بلاد الشام خلال تاريخها الطويل الكنعانيين والفينيقيين والآراميين والأوغاريتيين والأنباط واليونان والرومان والعرب وغيرهم. وتعاقبت عليها دول وإمبراطوريات لا تكاد تحصى. ومع ذلك، فإن معظم المؤرخين المعاصرين لا ينظرون إلى هذا التاريخ على أنه سلسلة من الشعوب التي اختفت لتحل محلها شعوب جديدة، بل على أنه تاريخ طويل من التحولات الثقافية والدينية واللغوية التي جرت فوق قاعدة سكانية محلية استمرت عبر القرون.
يشير المؤرخ اللبناني كمال الصليبي إلى أن تاريخ بلاد الشام لا يمكن فهمه من خلال الانقطاعات وحدها، بل من خلال الاستمرارية أيضا. فالقرى والمدن والجبال التي نعرفها اليوم لم تكن مسرحا لتبدل السكان بالكامل مع كل مرحلة تاريخية، بل بقي فيها أبناء الأرض أنفسهم وهم ينتقلون من لغة إلى أخرى ومن عقيدة إلى أخرى ومن هوية سياسية إلى أخرى.
أما المؤرخ ألبيرت حوراني، فيبين في كتاباته عن تاريخ الشعوب العربية أن انتشار اللغة العربية بعد الفتح الإسلامي لم يكن نتيجة استبدال شامل للسكان، بل كان في جانب كبير منه عملية تعرُّب ثقافي ولغوي لسكان محليين كانوا يعيشون في المنطقة قبل الإسلام بقرون طويلة. وهذا يعني أن كثيرا ممن أصبحوا يعرفون لاحقا بالعرب كانوا في الأصل امتدادا بشريا للشعوب التي سكنت هذه البلاد قبلهم.
ويذهب المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل إلى أن المجتمعات المتوسطية تتميز باستمرارية عميقة تتجاوز الأحداث السياسية العابرة. فالدول تتغير، والحدود تتبدل، والأديان تنتشر وتنحسر، لكن البشر الذين يعيشون على الأرض نفسها يحملون معهم طبقات متراكمة من الذاكرة والتاريخ.
ومن هنا يمكن النظر إلى الواقع الشامي المعاصر من زاوية مختلفة. فالعلوي والمسيحي والسني والدرزي والإسماعيلي قد يكونون أقرب إلى بعضهم من حيث الجذور التاريخية مما توحي به الانقسامات الحالية. لقد اختلفت العقائد واللغات عبر العصور، لكن ذلك لا يعني أن سكان البلاد أنفسهم تبدلوا في كل مرة.
إن الإنسان الذي يعيش اليوم في اللاذقية أو طرطوس أو دمشق أو حلب قد يحمل في ذاكرته الوراثية والثقافية شيئا من إرث أوغاريت وآرام وفينيقيا أكثر مما يدرك. وربما كانت الأسماء التي نتعارف بها اليوم أحدث عمرا بكثير من الجذور التي تجمعنا.
ولهذا فإن السؤال ليس: إلى أي طائفة ننتمي؟
بل ربما يكون السؤال الأعمق: كم من التاريخ المشترك ما زال يسكن فينا رغم كل ما فرق بيننا؟
فإذا كانت العقائد قد تغيرت مرات عديدة عبر آلاف السنين، فإن الأرض بقيت هي الأرض، والناس بقوا في معظمهم أبناءها. وربما كانت هذه الحقيقة أقدم وأبقى من جميع الأسماء التي حملناها عبر التاريخ.
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل وسط الخطاب الطائفي المحتدم اليوم أن المتخاصمين لا يدركون أحيانا أنهم أقرب إلى بعضهم مما يظنون. فبينهم من التاريخ المشترك ما هو أعمق بكثير من الخلافات التي تفرقهم. ولنتذكر أن أوغاريت وآرام ودمشق القديمة وتدمر وصور ليست ملكا لطائفة أو جماعة بعينها، بل هي جزء من الإرث الحضاري المشترك لأهل هذه البلاد جميعا، بكل تنوعهم واختلافاتهم.
………………………………………….
تعتمد هذه الفكرة على مفهوم الاستمرارية السكانية الذي ناقشه عدد من المؤرخين والباحثين، منهم كمال الصليبي وألبرت حوراني وفرنان بروديل، ولا تدعي وجود نقاء عرقي أو أصل واحد بالمعنى البيولوجي الدقيق، بل تؤكد استمرارية الوجود البشري المحلي في بلاد الشام عبر العصور.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر