البورصة: هل تكشف «إس آند بي داو جونز» حدود الإصلاح الاقتصادي في مصر

احمد البهائي
2026 / 6 / 3

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة المصرية عن نجاحات اقتصادية متلاحقة، وعن تحقيق فائض أولي يقترب من 900 مليار جنيه، وتحسن مؤشرات النمو، وارتفاع الاحتياطي النقدي، جاءت وثيقة المشاورات الصادرة عن مؤسسة «إس آند بي داو جونز» لتطرح سؤالًا شديد الإحراج: إذا كانت الإصلاحات الاقتصادية قد حققت كل هذا النجاح، فلماذا تدرس المؤسسة خفض تصنيف البورصة المصرية من سوق ناشئة إلى سوق مبتدئة اعتبارًا من سبتمبر 2027؟

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد إجراء فني يتعلق بمؤشرات الأسواق المالية، لكنه في الحقيقة يحمل دلالات أعمق بكثير. فمؤسسات التصنيف والمؤشرات لا تنظر إلى الخطابات الرسمية ولا إلى المؤتمرات الاقتصادية ولا إلى الأرقام المجردة، بل تنظر إلى قدرة السوق على استيفاء معايير محددة تتعلق بالسيولة والعمق المؤسسي وسهولة دخول وخروج المستثمرين وكفاءة البيئة الاستثمارية. وعندما تفتح مؤسسة عالمية باب المشاورات لبحث خفض تصنيف سوق ما، فإنها لا تصدر حكمًا على أسعار الأسهم بقدر ما تقدم تقييمًا للبنية الاقتصادية التي تقوم عليها تلك السوق.

صحيح أن المؤسسة أقرت بحدوث تحسن نسبي منذ منتصف عام 2024، خاصة فيما يتعلق بأزمة تحويل أموال المستثمرين الأجانب، إلا أنها أكدت في الوقت نفسه أن التحديات الهيكلية لا تزال قائمة، وأن السوق المصرية ما زالت تعاني محدودية السيولة وضعف العمق الاستثماري مقارنة بالمعايير المطلوبة للأسواق الناشئة. وهنا تظهر المفارقة الكبرى. فبينما يجري الحديث عن نجاح الإصلاح الاقتصادي، تأتي مؤسسة دولية لتقول إن أحد أهم أسواق رأس المال في البلاد أصبح محل مراجعة بشأن استحقاقه للبقاء ضمن فئة الأسواق الناشئة.

لكن الأخطر من التقرير نفسه كان رد الفعل عليه. فبدل أن ينصب النقاش على أسباب وصول البورصة المصرية إلى هذه المرحلة، اتجه جانب من الردود إلى القول إن المؤسسة استندت إلى بيانات قديمة تعود إلى عامي 2023 و2024، وإنها لم تراع التحسنات الأخيرة والطروحات الحكومية الجديدة. وقد يكون في ذلك قدر من الصحة، لكن السؤال الأكثر أهمية يظل قائمًا: لماذا وصلت السوق المصرية أصلًا إلى مرحلة تسمح بطرح فكرة خفض التصنيف؟

إن الاقتصادات الواثقة من قوة مؤسساتها لا تكتفي بالاعتراض على التقييمات الخارجية أو اتهامها بعدم مواكبة المستجدات، بل تسارع إلى معالجة الأسباب التي دفعت إلى ظهور هذه التقييمات من الأساس. فالقضية ليست ما إذا كان التقرير قديمًا أو حديثًا، بل ما إذا كانت الاختلالات التي أشار إليها قد عولجت جذريًا أم لا. فالاعتراض على المرآة لا يغير الملامح، وإنكار المشكلة لا يحلها.

لقد جرى اختزال مفهوم الإصلاح الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة في مجموعة من المؤشرات الكلية؛ فائض أولي، واحتياطي نقدي، وسعر صرف، ومعدلات نمو. لكن الاقتصادات الحديثة لا تُقاس فقط بما يحدث داخل دفاتر وزارة المالية أو بيانات البنك المركزي، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية وأسواق فعالة قادرة على تحويل المدخرات إلى استثمارات وتحويل الثقة إلى رؤوس أموال وتحويل النمو النظري إلى نشاط إنتاجي حقيقي.

ومن هنا يبرز سؤال طالما جرى تجاهله: أين موقع سوق رأس المال من مشروع الإصلاح الاقتصادي؟ فالإصلاح الهيكلي الحقيقي لا يقتصر على تحرير سعر الصرف أو خفض العجز أو زيادة الإيرادات، بل يشمل أيضًا بناء سوق أوراق مالية قوي وعميق ومستوفٍ للمعايير الدولية. وكان من المفترض أن يكون تطوير البورصة المصرية أحد المحاور الرئيسية في أي برنامج إصلاح اقتصادي جاد، لا مجرد ملف ثانوي يأتي في ذيل الأولويات.

فالأسواق المالية ليست ساحات للمضاربة فقط كما يتصور البعض، بل هي مؤسسات استراتيجية لتعبئة المدخرات الوطنية وجذب رؤوس الأموال وتمويل الاستثمار والإنتاج. وهي في الوقت ذاته أحد أهم الحلول المستدامة لمشكلة النقد الأجنبي التي عانى منها الاقتصاد المصري لعقود. فكلما ازداد عمق السوق وارتفعت السيولة وتوسعت قاعدة الشركات المدرجة وتحسنت مستويات الحوكمة والشفافية، أصبحت الدولة أكثر قدرة على جذب استثمارات طويلة الأجل وأقل اعتمادًا على القروض الخارجية أو التدفقات المؤقتة أو بيع الأصول لتوفير العملة الأجنبية.

ولطالما كان واضحًا أن معالجة أزمة النقد الأجنبي من خلال الاقتراض أو التخارج من الأصول أو الاعتماد على الأموال الساخنة لا تمثل حلًا هيكليًا مستدامًا. فهذه الأدوات قد توفر سيولة مؤقتة، لكنها لا تبني مؤسسة اقتصادية قادرة على إنتاج تدفقات رأسمالية مستمرة. أما سوق المال القوي فيمثل آلية دائمة لتعبئة المدخرات المحلية والأجنبية وتحويلها إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل ونقد أجنبي.

ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل: هل كان من الصواب أن تتحول الخصخصة وبيع الأصول إلى أحد أهم الأدوات المستخدمة لمعالجة أزمة النقد الأجنبي، بينما ظل تطوير سوق رأس المال نفسه متأخرًا عن المكانة التي يستحقها داخل مشروع الإصلاح؟

فالفرق كبير بين بيع شركة مملوكة للدولة وبين إدراجها في البورصة. ففي الحالة الأولى تحصل الدولة على حصيلة مالية قد تكون مهمة على المدى القصير، أما في الحالة الثانية فإنها تضيف أصلًا اقتصاديًا جديدًا إلى السوق، وتزيد من عمقه وسيولته وقيمته السوقية، مع احتفاظها بإمكانية الإبقاء على حصص حاكمة إذا أرادت ذلك. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كم شركة باعتها الدولة، بل كم شركة كبيرة وفاعلة أضافتها إلى السوق المالية المصرية.

إن مؤسسة دولية مثل «إس آند بي داو جونز» لا تقيس حجم الأموال التي حصلت عليها الحكومة من بيع الأصول، بل تنظر إلى عدد الشركات المؤهلة، وحجم التداول، والسيولة، والتداول الحر، وجاذبية السوق للمستثمرين. أي أنها تقيس قوة السوق نفسها لا حصيلة البيع. ولذلك فإن اختزال الإصلاح الهيكلي في الخصخصة يمثل خلطًا بين الوسيلة والغاية. فالغاية هي بناء سوق رأسمال قوي، أما بيع الأصول فليس سوى أداة قد تنجح أو تفشل وفق الطريقة التي تستخدم بها.

والواقع أن الحل الحقيقي لهذه الأزمة لا يكمن في بيع المزيد من الشركات، ولا في الاكتفاء بالدفاع عن التصنيف الحالي، بل في تغيير فلسفة الإصلاح ذاتها. فمصر تحتاج إلى برنامج متكامل لتعميق سوق رأس المال يقوم على إدراج شركات حكومية كبرى دون ضرورة التخلي عنها بالكامل، وتشجيع الشركات الخاصة والعائلية على القيد في البورصة، وتوسيع قاعدة المستثمرين المحليين، وتطوير صناديق التقاعد والتأمين والاستثمار، وتحسين الحوكمة والإفصاح، وضمان استقرار قواعد الاستثمار وحرية حركة رؤوس الأموال.

فالدول التي نجحت في بناء أسواق مالية قوية لم تفعل ذلك عبر بيع أصولها فقط، بل عبر خلق منظومة متكاملة لتعبئة المدخرات وتكوين رأس المال وجذب الاستثمار طويل الأجل. ولهذا فإن قوة البورصة ليست قضية مالية منفصلة عن الاقتصاد، بل هي انعكاس مباشر لقدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة وتدويرها واستدامتها.

إن أخطر ما كشفته وثيقة «إس آند بي داو جونز» ليس احتمال خفض التصنيف في حد ذاته، بل الفجوة التي ما زالت قائمة بين تحسن بعض المؤشرات المالية الكلية وبين ضعف المؤسسات الاقتصادية القادرة على تحويل هذا التحسن إلى تنمية مستدامة. فالفائض الأولي مهما بلغ حجمه يظل رقمًا ماليًا، أما البورصة القوية فهي مؤسسة اقتصادية قادرة على خلق الثروة وتمويل الاستثمار وجذب المدخرات وإنتاج النقد الأجنبي بصورة مستمرة.

ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه الوثيقة يتجاوز البورصة نفسها ليصل إلى جوهر النموذج الاقتصادي القائم: هل جرى بناء اقتصاد قادر على إنتاج مصادر مستدامة للثروة والنقد الأجنبي، أم جرى التركيز أساسًا على إدارة الأزمات وتحسين المؤشرات قصيرة الأجل؟

ذلك هو السؤال الذي يظل معلقًا فوق المشهد الاقتصادي المصري. أما الأرقام الاحتفالية، مهما بدت لامعة، فلا تستطيع وحدها الإجابة عنه. فالقوة الحقيقية للاقتصادات لا تقاس بما تعلنه الحكومات عن نفسها، بل بما تكشفه المؤسسات المستقلة عندما تخضع تلك الاقتصادات لاختبار الواقع.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر