مجلس الشعب السوري بعيون (آشورية مسيحية وطنية)

سليمان يوسف يوسف
2026 / 6 / 3

(مجلس الشعب) هو أعلى سلطة تشريعية في البلاد . التمثيل العادل والمتوازن لجميع السوريين، على اختلاف دياناتهم وقومياتهم ومذاهبهم ومناطقهم،هو ضرورة وطنية وحق مشروع يجب أن يكفله دستور البلاد . لكن للأسف هذه (المعادلة الوطنية) لم تُحترم من قبل (اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب)،المكلفة بتشكيل "الهيئات الناخبة" لأعضاء المجلس كإجراء استثنائي في المرحلة الانتقالية في سوريا الجديدة ما بعد حكم الأسد . هذا ما تبين وتجلى من خلال تركيبة (الهيئات الناخبة) في الدوائر الثلاث لمحافظة الحسكة( الحسكة . القامشلي . المالكية)،حيث كانت على شاكلة ما كان يُعرف بـ"قوائم الجبهة الوطنية" التي كان يعتمدها النظام البائد في كل استحقاق انتخابي . اللجنة العليا للانتخابات ،توافقت مع القوى الكردية والعربية المشاركة في الهيئات الناخبة على تقاسم مقاعد نواب الحسكة بين الأكراد والعرب، واستبعاد المكون المسيحي من آشوريين (سرياناً كلداناً ) وأرمن..
في دائرة القامشلي والمالكية ، كانت الهيئات الناخبة تضم 25 من ( السريان الآشوريين والأرمن ) المسيحيين. كان من المقرر أن يترشح العديد منهم في الدائرتين. لكن حين تيقنوا بأن هناك توافق بل تآمر بين الأطراف (الكردية والعربية) ،المشاركة في الهيئات الناخبة، بالتنسيق مع اللجنة العليا للانتخابات على تقاسم المقاعد بين الأكراد والعرب واستبعاد الآشوريين(سرياناً كلداناً) والأرمن، فضلوا عدم الترشح وخوض معركة خاسرة وقرروا مقاطعة جلسة التصويت لدائرة القامشلي التي جرت في مدينة الحسكة.في دائرة المالكية فاز مرشح كردي وآخر عربي بالتزكية.. بالنسبة لدائرة مدينة الحسكة ، توافق أعضاء الهيئة الناخبة على إسقاط المرشحة الآشورية المسيحية الوحيدة (نينورتا شمعون). هكذا حقوق الآشوريين والأرمن المسيحيين في محافظة الحسكة وقعت ضحية" بازار سياسي" جرى في الغرف المغلقة لـ (اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب ) . المتحدث باسم اللجنة الدكتور(نوار نجمة) بتصريحه المخالف للحقيقة لوسائل الإعلام "لم يكن هناك مرشح مسيحي عن دائرة القامشلي والحسكة" جعل من نفسه "شاهد زور" ، في قضية بالغة الحساسية، للتستر على الدور السيئ لزملائه أعضاء اللجنة في إقصاء المكون المسيحي في دوائر الحسكة عن التمثيل في مجلس الشعب. ( نجمة)، كرر مراراً في تصريحاته لوسائل الإعلام " لا مكان لأي أنواع المحاصصة في اختيار أعضاء مجلس الشعب ولن يتم إقصاء أي مكون سوري وبأن الكفاءة وحدها هي المعيار" . لكن تبين بأن ما حصل في محافظة الحسكة هو أسوأ أنواع المحاصصة وتقاسم المقاعد، بعيداً عن الكفاءة والعدالة في التمثيل ..
حقوق المسيحيين ليست منة من أحد ولا يجب أن تأتي كـ" مكرمة". هي حقوق مشروعة يجب أن يكفلها الدستور وتصونها القوانين . تضمين قائمة الرئيس أحمد الشرع، شخصيات سريانية آشورية و أرمنية، قد يخفف من حالة الغضب والاستياء في المجتمع المسيحي، لكن حتى لو عين الشرع الخمسة المتبقين من حصة محافظة الحسكة من السريان الآشوريين والأرمن لن يمحو الآثار السلبية لعملية إقصاء المكون المسيحي في الجزيرة الآشورية السورية، خاصة لجهة زعزعة ثقة المسيحيين بالمكونات الأخرى والشرخ الحاصل في النسيج الاجتماعي.
إذا كانت اللجنة العليا للانتخابات تعتقد بأن تقاسم مقاعد محافظة الحسكة بين العرب والأكراد سيخفف من منسوب (الاحتقان العرقي) ويخدم عملية تنفيذ "اتفاق دمج الإدارة الكردية بمؤسسات الدولة السورية"، فاعتقادها خاطئ وتفكيرها فيه الكثير من الرومانسية والطوباوية السياسية. أربعة أشهر مضت على توقيع الاتفاق والحكومة السورية عاجزة عن إلزام الطرف الكردي بتنفيذه. منح مقاعد مجلس الشعب ، على شكل "رشوة سياسية"، لهذا الطرف الكردي أو ذاك الطرف العربي، لن يفيد في حلحلة إشكالات وقضايا بالغة التعقيد والحساسية وإزالة تراكمات سلبية ومعالجة جروح وشروخ في نسيج المجتمع خلفتها الأوضاع الشاذة التي عاشتها المجتمعات المحلية في منطقة الجزيرة السورية سنوات الحرب .في اليوم التالي لانتهاء جلسات الهيئات الناخبة واختيار/تعيين أعضاء مجلس الشعب عن محافظة الحسكة، ممثلون 21 حزباً وحركة سياسية كردية في مدينة القامشلي، بينهم حزب الاتحاد الديمقراطي المهيمن على "الإدارة الكردية"، عبر بيان صدر عنهم ، رفضوا نتائج جلسات الهيئات الناخبة .جاء في البيان "إزاء النتائج المعلنة وآلية التعيينات التي جرت نؤكد أن هؤلاء الأشخاص يمثلون فقط أنفسهم".
المشهد البائس لمسيحي الجزيرة الآشورية السورية لا ينفصل عن المشهد المسيحي العام في كل سوريا . حيث التهميش والإقصاء للمسيحيين عن الحياة السياسية والحرمان من التمثيل الحقيقي والعادل في المناصب والمواقع السيادية ، ناهيك عن استمرار الاعتداءات والمضايقات على الحريات الاجتماعية. المسيحيون مكون سوري أصيل،عنهم (عن السريان الآشوريين) أخذت سوريا أسمها وهويتها. المسيحيون ناس وطنيون مسالمون ليس لديهم ميليشيات خاصة بهم ولم يحملوا السلاح يوماً بوجه الدولة،كما فعلت بعض المكونات. لكن للأسف الإدارة الجديدة لسوريا أدارت ظهرها للمسيحيين. الحكومة استجابت لـ"مطالب حاملي السلاح و سدت أذنيها بوجه المطالب المحقة والمشروعة لحاملي رسالة السلام " . مرجعيات مسيحية سورية عليا عبرت عن استيائها وقلقها من تهميش المسيحيين واقصائهم عن المشاركة الحقيقية في حكم وإدارة البلاد .. البطريرك (أفرام كريم)." وظيفة الحكومة خدمة المواطن دون تمييز .. اقتصار التمثيل المسيحي بشخص واحد غير مطمئن ". المطران حنّا جلوف، في حديث لوكالة (سير)على هامش لقاء السفير الإيطالي في سوريا، قال "إن المرحلة السياسية الجديدة في البلاد تحتاج إلى إشراك جميع المكوّنات، بمن فيهم المسيحيون، وعدم تهميشهم" . وأشار جلوف إلى "وجود مخاوف لدى المسيحيين من أن يُدفعوا إلى هامش الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا الجديدة، مؤكداً أهمية حضورهم كشركاء أساسيين في مستقبل البلاد".

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر