|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 3
في العراق، لا شيء يموت إلا الحقيقة، ولا شيء يشيخ إلا المواطن، أما الفساد فشجرة مباركة في أرض العجائب، تُسقى من أنهار الوعود وتثمر مواسم من الخيبات. هنا تتبدل الحكومات كما تتبدل الفصول، وتُرفع الشعارات كما تُرفع اللافتات في الأعياد، لكن المواطن يظل واقفاً في المكان نفسه، يحدق في أفق بعيد يشبه السراب، يركض نحوه كلما وعده السياسيون بمستقبل أفضل، ثم لا يجد سوى حفنة جديدة من الغبار.العراق بلدٌ غريب في هندسته السياسية؛ فكلما ازداد النفط تدفقاً ازداد الفقير فقراً، وكلما ارتفعت الموازنات انخفضت الخدمات، وكلما كثرت الخطب عن النزاهة ازداد عدد الملفات المختومة بعبارة "قيد التحقيق". وكأننا أمام مسرحية عبثية طويلة لا يريد أحد إسدال الستار عليها، لأن الممثلين يعرفون أن انتهاء العرض يعني بدء الحساب.العجيب أن المواطن العراقي أصبح خبيراً في علم المفارقات؛ فهو يرى المدارس التي تحتاج إلى مدارس، والمستشفيات التي تحتاج إلى أطباء قبل المرضى، والشوارع التي تحولت إلى متاحف للحفر، ثم يسمع في نشرات الأخبار عن أرقام فلكية صُرفت هنا وهناك، فيتساءل إن كانت تلك الأموال قد هبطت على كوكب آخر يحمل الاسم نفسه. لقد أصبح المال العام في المخيلة الشعبية كالمخلوقات الأسطورية، الجميع يتحدث عنه، لكن لا أحد يراه.ومن أغرب ما أنتجته سنوات الفوضى أن بعض المسؤولين يتحدثون عن التقشف من خلف نوافذ القصور، وعن الصبر من مقاعد السيارات المصفحة، وعن التضحية من أرصدة لا تستطيع الآلات الحاسبة إحصاء أصفارها. أما المواطن، ذلك الكائن الذي يدفع الثمن دائماً، فقد صار مطالباً بأن يتحمل، ويصبر، ويصمت، ويشكر، ويصفق، وربما يبتسم أيضاً كي لا يُتهم بالتشاؤم.لقد تحولت الوعود في العراق إلى صناعة وطنية كبرى. تُصنع بكميات هائلة قبل الانتخابات، ثم تُرمى بعد انتهاء موسم التصويت كما تُرمى علب الألعاب النارية بعد الاحتفال. وكم من مسؤول وعد بالقضاء على الفساد، فإذا بالفساد يخرج من المؤتمر الصحفي أكثر صحة وعافية من ذي قبل، وكأنه حصل على جرعة منشطات لا على حكم بالإعدام.
إن المشكلة الحقيقية ليست في لص يسرق مالاً، فالتاريخ مليء باللصوص، بل في منظومة تجعل السرقة وجهة نظر، والهدر خطأً إدارياً، والفضيحة خبراً عابراً، ثم تطلب من الناس أن يثقوا بأن الغد سيكون أجمل. وما دام الفاسد يعتقد أن المنصب حصن، وأن النفوذ جواز مرور، وأن القانون يُطبق على الضعفاء أكثر مما يُطبق على الأقوياء، فإن الخراب سيبقى يجد له مقعداً دائماً على مائدة الدولة. ولهذا فإن الحديث عن الإصلاح لا يبدأ بخطاب جديد ولا بشعار جديد، بل بمحاسبة حقيقية لا تفرق بين كبير وصغير، ولا بين صاحب عمامة وربطة عنق، ولا بين حزب وآخر، ولا بين مسؤول سابق أو لاحق. فالدولة التي لا تحاسب لصوصها تتحول بالتدريج إلى شريك في الجريمة، والدولة التي تخاف من كشف الحقيقة تترك الباب مفتوحاً لمزيد من الكوارث.إن العراقي لم يعد يريد معجزات، ولا يبحث عن فردوس سياسي، ولا ينتظر مدينة أفلاطون الفاضلة. كل ما يريده أن يرى القانون وهو يمشي على قدميه لا على الورق، وأن يرى المال العام يعود إلى أصحابه الحقيقيين، وأن يشعر بأن المناصب تكليف لا غنيمة، وأن يعرف أن من يعبث بمقدرات البلاد سيقف يوماً أمام العدالة مهما طال الزمن.
أما السراب الذي أُطعمناه لعقود، فقد آن له أن ينتهي. فالأوطان لا تُبنى بالخطب، ولا تُدار بالشعارات، ولا تُحمى بالمجاملات، بل تُصان بالمحاسبة الصارمة والشفافية والشجاعة في مواجهة الفساد أينما كان. وعندها فقط قد يكتشف العراقي أن ما كان يطارده طوال هذه السنوات لم يكن مستقبلاً ضائعاً، بل حقيقة محتجزة خلف أبواب المصالح والنفوذ.
ويبقى السؤال معلقاً فوق سماء البلاد كجرس لا يتوقف عن الرنين: كم ملفاً يجب أن ينكشف بعد؟ وكم ثروة يجب أن تضيع بعد؟ وكم جيلاً يجب أن يدفع الثمن بعد؟ قبل أن تدرك الدولة أن أخطر ما يسرقه الفساد ليس المال، بل أعمار الناس وأحلامهم وثقتهم بوطن كان يستحق مصيراً أجمل من كل هذا السراب.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |