كريستوفر فُوت : إصلاح نظام العملة في العراق بين أنقاض الحرب وتحديات المستقبل

مظهر محمد صالح
2026 / 6 / 1

حال وصول كريستوفر فوت Christopher L. Foote البلاد، بعد ايام من انتقاله من وظيفة كبير الاقتصاديين في المجلس الاستشاري الاقتصادي في شباط 2003 وهي الهيئة التابعة مباشرة لرئيس الولايات المتحدة ، الى وظيفة كبير المستشارين الاقتصاديين للسياسات في البنك الاحتياطي الفيديرالي في بوسطن، ليجد طريقه في الايام القليلة التي سبقت الاحتلال ان محطته المقبلة هي العراق ، حتى بدأ الرجل يمسك بملف ((دعم مشروع إصدار الدينار العراقي الجديد)).

كان اللقاء به في ايار/ 2003 لا يحمل سوى هموم العمل بين اطلال ابنية محترقة مزقتها الحرب، وسياسات نقدية ومصرفية لا نعلم كيف ستُصمم وتسير عليها البلاد. استطعنا ان نجد مكاناً للجلوس تحيطه الاتربة من كل جانب، ليبدأ حديثه عن مشكلات الطبع المحلي للعملة ابان سنوات الحصار، وكيفية التحول الى عملة عصية على التزوير او الاختراق، تليق بالعراق ومستقبل انظمة مدفوعاته.

انتهت حواراتنا، ولمست ان كريستوفر فوت، تلك الشخصية التي اخذت قسطاً من ممارسة التعليم في جامعة هارفرد، قد اعجب بالحوار المهني والاكاديمي الذي دار بيننا. وقال انه سيعرض على سلطة الائتلاف المؤقتة تفاصيل فنية في ضوء النقاشات التي شاركنا فيها شاب استرالي من اصول عراقية ، يعمل استاذاً جامعياً في الاقتصاد في استراليا ومنسباً للعمل مع الفريق الاقتصادي لسلطة الائتلاف.

كان ذلك الشاب قد اقنعنا بأهمية اصدار العملة القادمة بنمط يشبه تصنيع الدولار الاسترالي، المصنوع من مادة بلاستيكية (بوليمر)، وهي عملة يبقى عمرها الافتراضي اطول، وتبدو افضل من العملة الورقية ، كما تعمل بكفاءة حتى في الاجواء الاستوائية والمدارية، كالعملة السنغافورية التي احضر نموذجاً منها. وجرى الاتفاق على ذلك مع امكانية رفع الاصفار، والكثير من النقاط الجادة المتعلقة بتحسين نظام العملة وسعر الصرف تدريجياً. ولا ادري لماذا أُهملت تلك التوصيات، ربما لهيمنة فريق الخزانة، الذي قال كريستوفر فوت انه كان صاحب الكلمة الفصل.
لقد كان حزينا على ما حل بالبلاد من خراب، وذكر لي انه يكتب يومياته عن بلادنا واقتصادها، والتي خصها لاحقاً في مقال نشر في الحولية الفصلية للبنك الاحتياطي الفيديرالي في بوسطن ، في المجلد 13 من العام 2003، وعدّت المقالة الاشهر عن اوضاع العراق وقت ذاك، وكانت بعنوان:
(اقتصادي يقدّم تقريراً من بغداد: إحياء الاقتصاد العراقي في أعقاب الحرب
‏An Economist Reports from Baghdad: Reviving the Iraqi Economy in the Aftermath of War)

والاهم من ذلك ان كريستوفر فوت، بعد وصف تجربته داخل بغداد بعد الحرب، وكيف تعامل الفريق الأميركي مع انهيار المؤسسات المالية والعملة العراقية وإعادة بناء الاقتصاد، اشار مراراً، معترفاً بأن الفريق الأميركي دخل العراق وهو خالٍ من المعرفة العميقة بالمجتمع العراقي، او حتى من الخبرة الكافية في تحويل اقتصاد دولة مركزية الى اقتصاد سوق، وأن كثيراً من القرارات كانت تُتخذ وسط فوضى ونقص في المعلومات.

انتهى الامر بإصدار العملة العراقية بالفئات نفسها ، وأُهمل تقرير كريستوفر فوت.

أُعيد اعمار ابنية البنك المركزي، وصدر قانونه الجديد الذي منحه الاستقلالية القانونية، وصدرت العملة الجديدة… وتذكرت كريستوفر فوت وانا اتحدث الى كبير الخبراء في شركة طبع العملة ، متسائلاً: ما هو الفرق بين العملة الورقية التي توليتم طبعها وبين فكرة العملة البلاستيكية، وهي الاكثر متانة وتعمل بها استراليا وسنغافورة وكثير من البلدان !

اجابني بابتسامة انكلوسكسونية قائلاً:
«ايهما اجمل لك ان تلعب كرة القدم على ارض مزروعة بالثيل الطبيعي الاخضر ام مزروعة بالثيل الاصطناعي؟»

ثم اجاب:
«إن اللعب على الثيل الطبيعي هو بالتأكيد اكثر انتماءً للطبيعة من الثيل المصنع في معامل البلاستك».

تبسمت دون قناعة!

ليستمر الحوار بعدها في مناخ التحمت فيه قوى الاقتصاد العالمي في سنغافورة في الععام 2006، على هامش اللقاءات الرسمية مع الوفود المشاركة في المؤتمر السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وكان الجميع قد اصابته السعادة ، لأن العشاء الذي نتناوله ودار فيه حوار العملة مجدداً ، كان في قاعة نادٍ عريق، وهو محط اقامة السياسي البريطاني الراحل ونستون تشرشل، وأن الكثير من وجباته تناولها في هذه القاعة الكلاسيكية منذ عشرينيات وسنوات القرن الماضي، في عالم كانت تديره وزارة المستعمرات البريطانية.

وهكذا، ظلّت حكاية العملة العراقية الجديدة أكثر من مجرد مشروع نقدي أو عملية استبدال أوراق نقدية ،لقد كانت محاولة لإعادة تعريف الثقة في بلد خرج لتوّه من العاصفة. فبين دخان الحرب، وأنقاض المؤسسات، والحوارات التي كانت تُدار على عجل وسط الخراب، وُلدت أسئلة كبيرة عن معنى الدولة، والاستقلال الاقتصادي، ومستقبل العراق النقدي.

ومع مرور السنوات، بقيت صورة كريستوفر فُوت عالقة في الذاكرة، ذلك الاقتصادي الذي جاء من عالم الأكاديميا والسياسات العامة ليشهد بلداً يبحث عن ذاته بين الفوضى وإرادة البقاء. وربما لم تُؤخذ كل أفكاره، وربما ضاعت توصيات كثيرة وسط صخب القرار الدولي، لكن ما بقي ثابتاً هو أن بناء العملة لم يكن يوماً شأناً فنياً خالصاً، بل كان جزءاً من إعادة بناء الروح العراقية نفسها.

لقد تبدّلت الأبنية، وتغيّرت القوانين، وأُعيد إصدار الدينار، غير أن أسئلة تلك الأيام ما زالت حيّة: كيف تُبنى الثقة؟ وكيف تستعيد الأمم قيمة نقودها بعد أن تفقد استقرارها؟ ولعل الإجابة التي لم تُكتب بالكامل بعد، هي أن قوة العملة لا تُصنع في المطابع وحدها، بل في استقرار الأوطان، وذاكرة شعوبها، وقدرتها على النهوض من بين الانقاض.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن