|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

هاشم معتوق
2026 / 5 / 31
الوطن قبل البيت فلسفة الانتماء إلى البيت الأكبر
ليس السؤال الحقيقي أيهما أهم، البيت أم الوطن؟ لأن البيت في جوهره جزء من الوطن، كما أن الغصن جزء من الشجرة، والقطرة جزء من النهر. لكن السؤال الأعمق هو أيهما يشكل شرط وجود الآخر واستمراره؟ وهل يمكن لبيت أن يستقر إذا اهتزت أركان الوطن؟ وهل تستطيع أسرة أن تنعم بالأمن والازدهار إذا كانت الأرض التي تقف عليها غارقة في الفوضى والعجز والانقسام؟
إن البيت، مهما اتسعت جدرانه وكثر ساكنوه، يبقى دائرة محدودة الأثر. أما الوطن فهو الفضاء الذي تتنفس فيه جميع البيوت، وهو المظلة الكبرى التي تحمي الأسر والأفراد والمؤسسات. فإذا تعرض البيت لأزمة، تأثر أفراده، أما إذا تعرض الوطن لأزمة، فإن ملايين البيوت تدخل دائرة الخطر في الوقت نفسه. ولذلك فإن انهيار منظومة وطنية كاملة أشد خطراً من انهيار بيت واحد، لأن الوطن هو المصدر الذي تتدفق منه مقومات الحياة اليومية كلها.
من المدرسة التي يتعلم فيها الطفل، إلى المستشفى الذي يعالج المريض، ومن الماء الذي يصل إلى المنازل، إلى الكهرباء التي تنير الطرقات، ومن الأمن الذي يحفظ الأرواح، إلى القانون الذي يحمي الحقوق؛ كلها ثمار لشجرة الوطن. وحين تضعف هذه الشجرة تذبل أغصانها جميعاً مهما كانت قوية في الأصل.
الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية تحدها الخرائط، وليس مجرد اسم يكتب في الوثائق الرسمية، بل هو منظومة حياة متكاملة. إنه الهواء الذي نتنفسه، والسماء التي تظلنا، والأرض التي نزرعها، والمستقبل الذي نحلم به. إنه البيت الأكبر الذي يحتوي جميع البيوت، والأب الرمزي الذي تتساوى أمامه جميع الأبناء.
ولعل أحد أعظم التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة هو انتشار الفوارق الطبقية والاجتماعية التي تمزق الشعور الوطني المشترك. فعندما يشعر بعض المواطنين أنهم يعيشون في وطن مختلف عن وطن الآخرين، وعندما تتسع الهوة بين الغني والفقير، وبين المركز والأطراف، وبين أصحاب النفوذ وعامة الناس، تضعف الروابط الوطنية ويبدأ الولاء بالانكفاء نحو المصالح الضيقة والهويات الصغيرة.
إن الوطنية الحقيقية لا تزدهر في بيئة الامتيازات المغلقة، بل في مجتمع يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات. فالمواطن لا يحب وطنه لأنه يمنحه الشعارات، بل لأنه يمنحه الكرامة والعدالة والفرص المتكافئة. وحين يرى أن القانون يحمي الجميع دون تمييز، وأن الثروة الوطنية توزع بصورة عادلة، وأن أبواب التعليم والعمل والخدمات مفتوحة أمام الجميع، تتحول الوطنية من كلمة ترددها الألسن إلى عقيدة راسخة تسكن القلوب.
لقد أثبتت تجارب الشعوب الناجحة أن قوة الوطن لا تقاس بحجم موارده الطبيعية فقط، بل بقدرته على بناء مواطنة متساوية تذيب الفوارق المصطنعة بين أبنائه. فالدول التي حققت نهضات كبرى لم تفعل ذلك لأنها امتلكت الثروات وحدها، وإنما لأنها نجحت في بناء شعور جمعي يرى في نجاح الفرد نجاحاً للجماعة، وفي تقدم الوطن مصلحة مشتركة للجميع.
إن الوطنية ليست خصماً للأسرة، بل هي الضمانة الكبرى لاستقرارها. فالبيت الذي يربي أبناءه على احترام الوطن يزرع فيهم معنى المسؤولية العامة، والوطن الذي يحمي العدالة ويوفر الفرص يحمي البيوت جميعاً من الخوف والعوز والانقسام. ومن هنا فإن العلاقة بين البيت والوطن ليست علاقة تنافس، وإنما علاقة تكامل عضوي؛ فالبيت يصنع المواطن الصالح، والوطن يصنع البيئة التي تسمح لهذا المواطن بأن يزدهر ويبدع.
وحين يبلغ الوعي الوطني ذروته، يدرك الإنسان أن مصلحته الشخصية لا تنفصل عن المصلحة العامة، وأن ازدهار وطنه هو الطريق الأوسع لازدهار أسرته. عندها لا يعود الوطن مجرد مكان للسكن، بل يصبح قضية كبرى تستحق العمل والتضحية والبناء.
إن الوطن يشبه الشمس في منظومة الحياة؛ قد لا يلتفت الناس إليها كل يوم، لكنهم لا يستطيعون العيش من دونها. وهو يشبه الهواء النقي الذي يملأ الرئتين؛ لا يُرى بالعين، لكنه أساس البقاء. وكما تحتاج الأرض إلى الخضرة لتنتج الأكسجين وتمنح الحياة، يحتاج الوطن إلى مواطنين يؤمنون بالعدالة والمساواة والعمل المشترك، ويضعون المصلحة العامة فوق الأنانية الضيقة.
عندما تزول الفوارق الظالمة، وتتراجع العصبيات والانقسامات، ويشعر الجميع بأنهم أبناء وطن واحد لا درجات متفاوتة في الكرامة بينهم، تنشأ الوطنية الحقيقية. وعندما تصبح كرامة المواطن من كرامة الوطن، ومستقبل الوطن من مستقبل المواطن، يتحول الانتماء من شعور عابر إلى قوة تاريخية قادرة على بناء الحضارات وصناعة النهضة وحماية الأجيال القادمة.
فالوطن ليس مجرد بيت أكبر من البيوت، بل هو الروح التي تمنح جميع البيوت معنى البقاء.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |