|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

هاشم معتوق
2026 / 5 / 30
عبد الأمير الحصيري شاعرٌ احترق بلغته
إنّ الحديث عن عبد الأمير الحصيري ليس حديثًا عن شاعرٍ عراقيٍّ عابر، بل عن ظاهرةٍ إنسانية وشعرية نادرة تشكّلت عند تخوم العبقرية والانكسار، بين الفقر والتوهّج، بين النبوغ والعزلة، بين بغداد التي أحبّها حدّ الاحتراق، والنجف التي خرج منها وفي روحه شيءٌ من رهبان اللغة ومتسوّلي المطلق.
كان الحصيري واحدًا من أولئك الشعراء الذين لا يُقرأون بوصفهم “أصحاب دواوين”، بل بوصفهم “مصائر”. فبعض الشعراء يكتبون القصيدة، أمّا هو فقد عاش القصيدة حتى أتلفته، حتى غدت حياته نفسها نصًّا مأساويًا طويلًا، تتداخل فيه البلاغة مع الجوع، والكبرياء مع التشرد، والعبقرية مع الخراب الداخلي.
وُلد عبد الأمير الحصيري في النجف سنة 1943، ونشأ في بيئة دينية محافظة يختلط فيها الفقه باللغة، والزهد بالفصاحة، والحرمان بالكبرياء. لم يُكمل تعليمه النظامي، لكنّه امتلك ثقافة لغوية استثنائية عبر القراءة الحرة والالتهام المبكر للتراث العربي، فنهل من المتنبي وأبي تمام والمعري والجواهري، حتى أصبح واحدًا من أكثر شعراء العراق تمكّنًا من العمود الخليلي وأشدّهم اقتدارًا على اللغة العربية الفخمة المحكمة.
كانت النجف بالنسبة إليه أكثر من مدينة؛ كانت مختبرًا روحيًا ولغويًا. ففي أزقتها القديمة تشكّلت شخصيته الشعرية المبكرة: شخصية قلقة، شديدة الحساسية، متعالية باللغة، مسحوقة بالحياة اليومية. ومن هناك خرج إلى بغداد وهو يحمل رأسًا مليئًا بالنار، لا بالشهادات ولا بالوظائف.
لم يدخل الحصيري الحياة الثقافية من أبوابها الرسمية، بل جاء من الهامش. عمل في شبابه منضّدًا للحروف في مطبعة سرية للحزب الشيوعي في النجف، واقترب مبكرًا من الأوساط السياسية والثقافية المعارضة. ثم انتقل إلى بغداد أواخر الخمسينيات، وهناك بدأت أسطورته الحقيقية.
في بغداد لم يجد الاستقرار، بل وجد المرآة الكبرى لروحه المضطربة. كان يُرى في المقاهي والشوارع بثياب بالية ووجه متعب، يحمل أوراقه وكتبه كما يحمل المتصوف مسبحته الأخيرة. رآه الناس شاعرًا كبيرًا، لكنهم رأوه أيضًا ضائعًا، هشًّا، يتآكل من الداخل ببطء. ولم يكن ذلك التشرد مجرد حالة اجتماعية، بل كان قدرًا وجوديًا؛ فقد بدا دائمًا كأنه غير قادر على التكيّف مع العالم العادي، كأن الحياة اليومية أصغر من حساسيته وأقلّ من لغته.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ظلّ يرافق سيرته: هل كان عبد الأمير الحصيري صعلوكًا؟
إذا أخذنا مفهوم الصعلوك بمعناه التراثي، بوصفه الخارج على النظام الاجتماعي، الفقير، الحرّ، المتمرّد، فإن الحصيري يقترب كثيرًا من هذه الصورة. لكنه لم يكن صعلوكًا أخلاقيًا أو عدوانيًا، بل كان “صعلوك الروح”. لقد عاش الفقر فعلًا، وعانى الإهمال فعلًا، ولم توفّر له الدولة العراقية حياةً تليق بمكانته الشعرية، كما أنّ الوسط الثقافي نفسه اكتفى غالبًا بالإعجاب بموهبته دون أن ينقذه من الانهيار.
كان ضحية هشاشة داخلية هائلة. شديد الكبرياء، سريع الانفعال، مفرط الحساسية، يرى الشعر قيمة مطلقة تتجاوز الوظيفة والمال والاستقرار. ولذلك عجز عن التكيّف مع إيقاع الحياة الاعتيادية. كان يشعر دائمًا أنّه أكبر من واقعه، وأنّ اللغة التي يحملها أوسع من العالم الذي يعيش فيه.
وقد زادت حياته الاجتماعية تعقيدًا مع السنوات. فعلى الرغم من كثرة أصدقائه ومعارفه، بقي وحيدًا وجوديًا. علاقاته كانت مضطربة، متأرجحة بين الحبّ الحادّ والنفور المفاجئ. وفي سنواته الأخيرة عُرف بإدمانه على الكحول، حتى صار ذلك جزءًا من صورته العامة، لا بوصفه عبثًا أو لهوًا، بل بوصفه محاولة يائسة للهروب من ضغط العالم ومن عنف الداخل.
لقد عاش تناقضًا رهيبًا:
لغة شاهقة وحياة متهالكة،
قصائد ملوكية وجيوب فارغة،
روح متعالية وجسد مسحوق.
وهذا التناقض نفسه هو الذي صنع أسطورته الشعرية.
في زمن كانت فيه قصيدة التفعيلة تهيمن على المشهد العراقي مع السياب ونازك الملائكة والبياتي ومظفر النواب، ظلّ الحصيري وفيًا إلى حدّ كبير للقصيدة العمودية، لكنه لم يكن تقليديًا أبدًا. لقد أخذ العمود العربي إلى منطقة جديدة؛ منطقة تمتزج فيها الفخامة الكلاسيكية بالأعصاب المحترقة، والبلاغة القديمة بالوجع الحديث.
كان شعره يشبه قصرًا عباسيًا يشتعل من الداخل.
تميّز الحصيري بسيطرة مذهلة على اللغة، حتى بدا كأن العربية طوع يديه. امتلك معجمًا هائلًا، وقدرة نادرة على سبك الجملة الشعرية بإحكام موسيقي وفخامة تصويرية جعلته قريبًا من الجواهري في الجزالة، لكنه أكثر انكسارًا واغترابًا منه.
وبرع كذلك في القصائد المطوّلة، حتى شُبّهت بعض نصوصه بالمعلقات الحديثة. غير أنّ أهم ما ميّزه كان هذا المزج الغريب بين الكبرياء والانهيار؛ فقصيدته متعالية موسيقيًا لكنها مكسورة نفسيًا، قوية البناء لكنها تنزف من الداخل.
لم يكن يستخدم الصورة الشعرية للزخرفة، بل كان يبني بها عالمًا كاملًا من التوتر والاحتراق. وكان وفيًا للإيقاع الخليلي وفاءً صارمًا، لكنه جعل البحر الشعري يتنفّس بحرية حديثة، فكأن القصيدة العمودية عنده استعادت شبابها المفقود.
ترك الحصيري عددًا من الدواوين المهمة، من أبرزها: “أنا الشريد”، و”معلقة بغداد”، و”أزهار الدماء”، و”سبات النار”، و”أشرعة الجحيم”. وحتى عناوين هذه الدواوين تكشف عالمه الداخلي القائم على مفردات الاحتراق والسقوط والضياع.
وكان الحصيري معاصرًا للجيل الذهبي للشعر العراقي، ذلك الجيل الذي غيّر وجه الشعر العربي الحديث. لكنه بقي مختلفًا عنهم جميعًا. فالسياب أدخل الأسطورة والحداثة، والبياتي أدخل الثورة والأيديولوجيا، ومظفر النواب فجّر اللغة السياسية والشعبية، أمّا الحصيري فقد بقي شاعر “الفخامة المأساوية”.
كان أقرب إلى الجواهري من جهة اللغة والجزالة، لكنه أكثر وحدةً وانكسارًا. وإذا كان الجواهري شاعر المنبر والصوت العالي، فإن الحصيري كان شاعر الخراب الداخلي، شاعر الإنسان الذي يقف أمام نفسه مهزومًا لكنه يواصل الغناء.
أما بغداد، فقد كانت حبيبته الكبرى. لم يحبّ شاعر بغداد كما أحبّها الحصيري. كانت عنده أمًّا ومدينةً وجرحًا ومرآةً للروح. رآها عظيمة لكنها متعبة، جميلة لكنها تنزف، غنية لكنها مهدورة. ولهذا جاءت “معلقة بغداد” واحدة من أكثر القصائد العراقية حزنًا وفخامة، كأنها رثاء مبكر لمدينة لا تكفّ عن الانكسار.
انتهت حياة الحصيري سنة 1978 بعد سنوات من المرض والتعب النفسي والجسدي والإدمان، ولم يمت شاعرًا محتفى به كما يليق بقيمته، بل رحل متعبًا ومنهكًا ونصف منسي، شأن كثير من العباقرة العرب الذين يكتشفهم الزمن متأخرًا.
لكن الشعر أنصفه بعد موته.
فاليوم يُنظر إلى عبد الأمير الحصيري بوصفه واحدًا من أعظم الأصوات الشعرية العراقية في القرن العشرين، وربما أكثرهم مأساوية. ولم يعد مجرد شاعر، بل أصبح رمزًا للمثقف الذي سحقته هشاشته الداخلية وإهمال المجتمع معًا.
إنّ الحصيري ليس مجرد موهبة شعرية، بل سؤال ثقافي كامل:
كيف يمكن لمجتمع أن ينتج عبقرية كهذه ثم يتركها تتحطم؟
كيف تتحول اللغة إلى قدر؟
وكيف يمكن للشاعر أن يكون أكبر من الحياة التي يعيشها؟
لقد انتمى الحصيري إلى سلالة الشعراء الذين احترقوا بشعرهم؛ كأبي نواس في تمرده، والمتنبي في كبريائه، والسياب في مأساته، ومظفر النواب في منفاه. لكنه بقي مختلفًا عنهم جميعًا، لأن جرحه لم يكن سياسيًا فقط، ولا اجتماعيًا فقط، بل كان جرحًا وجوديًا عميقًا.
لم يكن يقاتل سلطةً بعينها،
بل كان يقاتل العالم كله،
بما فيه نفسه.
ولهذا ظلّ شعره حتى اليوم يحمل تلك الرعشة النادرة:
رعشة الشاعر الذي يعرف أنّه يهلك…
لكنّه يواصل الغناء.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |